المجلس المركزي وتجديد منظمة التحرير.. جدلية الانقسام والمواجهة

home_politics_blog5
ملخص انتهاكات الاستيطان وجيش الاحتلال خلال شهر آب 2018
14 سبتمبر ,2018

المجلس المركزي وتجديد منظمة التحرير.. جدلية الانقسام والمواجهة

عقد المجلس المركزي الفلسطيني دورته في منتصف آب/ أغسطس 2018، في مقرّ الرئاسة بمدينة رام الله، وسط انقسام فلسطيني حادّ و متصاعد، وعلى نحو شكّل امتدادًا للأزمة التي تجلّت في دورة المجلس الوطني أواخر نيسان/ إبريل الماضي. وكذلك في ظلّ خلافات واضحة بين الفرقاء الفلسطينيين، حول مفاوضات التهدئة التي قادت وساطتها القاهرة، وهو ما يعني أن العلاقات الوطنية الداخلية تزداد استعصاء، وأن المحاولات المبذولة في سياق المصالحة منذ شهر تشرين أول/ أكتوبر 2017، لم تسفر عن نتائج إيجابية في مرحلة يواجه فيها الفلسطينيون تحديات تتعلق بالملفات المركزية لقضيتهم، وهو ما يضع علامات استفهام كبيرة حول مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وقدرته على البقاء في ظل اتضاح ضعف قدرته على التكيف ومواجهة التحديات المتعاظمة.

الانقسام يتمدد:

حينما شاركت حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني ثم قامت بتشكيل الحكومة كان يبدو أن النظام السياسي الفلسطيني يتخذ شكلًا أكثر اتساقًا بحيث يعبر عن الخارطة السياسية الفلسطينية بتشكيلاتها كافة، ولكن بعد سنوات من الانقسام والصراع يبدو أن المشهد الفلسطيني يبتعد عن هذه الصورة، والمؤسسات الرسمية لهذا النظام السياسي تبدو أكثر افتقادًا للقدرة على تمثيل هذه الخارطة السياسية، ذلك رغم المحاولات المتكررة لإتمام المصالحة.

قال سليم الزعنون، رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، في كلمته التي افتتح بها اجتماعات المجلس المركزي، "إنّ الجرح النازف في الجسد الفلسطيني هو استمرار الانقسام، الذي جلب لنا الوهن والضعف، ويجب أن ينتهي قبل أن يتحول إلى انفصال، وتنجح الخطط المشبوهة بضرب المشروع الوطني في مقتل"[1]. ودعت حركة حماس للعمل على إنهاء الانقسام، وتمكين حكومة الوفاق الوطني في قطاع غزّة. بيد أنّه، وبالرغم من هذه الدعوة، فقد كان الانقسام داخل بيت منظمة التحرير نفسه هو سيد الموقف.

فالجبهة الديمقراطية، التي سبق لها وشاركت في اجتماعات المجلس الوطني في نيسان/ إبريل الماضي، وقاطعتها معظم الفصائل الفلسطينية الوازنة، بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، اتخذت قرارًا هذه المرّة بمقاطعة اجتماعات المجلس المركزي، مفسّرة قرارها بـ "تسارع وتيرة التدهور في أوضاع النظام السياسي الفلسطيني"، ومتهمة الرئاسة الفلسطينية بأنها حولت "المؤسسات ذات النظام البرلماني"، إلى نظام "رئاسي أكثر تسلطًا"، بإصدار "مراسيم مفصلة على مزاج الرئاسة"[2].

كما يمثل التعبير عن الاحتجاج بالمقاطعة، في موقف حركة المبادرة الوطنية التي أيضا قاطعت اجتماعات المجلس المركزي، بعدما سبق وشاركت في اجتماعات المجلس الوطني في نيسان/ إبريل الماضي، مفسّرة المقاطعة على لسان أمينها العام مصطفى البرغوثي بـ "عدم تنفيذ القرارات السابقة التي أصدرها المجلسان الوطني والمركزي، وعدم التشاور مع فصائل المنظمة قبل التحضير لهذه الدورة"[3].

وهنا يتفق موقف الجبهة الشعبية في تفسير مقاطعتها، فيما أكدت الجبهة على صوابية موقفها من مقاطعة جلسات المجلس الوطني السابقة، وقالت عن اجتماعات المجلس المركزي إنها "تأتي في سياق الاستمرار بإدارة الظهر للتوافق الوطني المطلوب، ولذات نهج التفرد والهيمنة الذي حكم عقد المجلس الوطني الأخير". وأضافت الجبهة أن الإصرار على عقد المجلس المركزي "يؤدّي إلى تكريس الانقسام الأفقي والعمودي في الساحة الفلسطينية، سواء داخل مؤسسات المنظمة ذاتها، أو على المستوى الفصائلي والشعبي"[4].

على صعيد الشكل والهيكل، تجسّدت بنية منظمة التحرير من بعد انعقاد المجلس الوطني في نيسان/ إبريل الماضي، في اتجاه واحد في الساحة الفلسطينية، متحللًا من معظم القوى الوطنية الوازنة، بما في ذلك بعض قوى منظمة التحرير الأساسية. وعلى صعيد المضمون، فهناك أمران تعتبرهما قيادة منظمة الحالية من أبرز مهامها، الأول: كيفية التعامل مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وسياساته تجاه القضية الفلسطينية التي تشجع الإجراءات الإسرائيلية الاستعمارية، والتي كان آخرها قانون القومية. والثاني: تهميش حركة حماس وإضعاف تأثيرها السياسي. وهو ما يشير إلى تعقيد الحالة الوطنية، والإعاقة الهائلة التي يسببها التناقض الداخلي على حساب المهمّة الأساسية للحركة الوطنية الفلسطينية.

باب المنظمة مقفل:

بعد إقرار العديد من الاتفاقيات بين حماس وفتح التي تشير لإمكانية دخول حركتي حماس والجهاد لمؤسسات منظمة التحرير وإنهاء الصدع القديم بين الفصيلين والمنظمة، بات من شبه المؤكد أن هذا الملف مؤجل لحد كبير، فالملاحظ في حالة المجلس المركزي، أن حركتي حماس والجهاد الإسلامي، قد نظرتا إلى الأمر باهتمام أقلّ مما كان عليه حالهما مع المجلس الوطني، فلم تُصدر أيّ منهما بيانات مستقلة بذاتها بخصوص اجتماعات المجلس المركزي، مما يعني أن الموقف بات محسومًا من بعد عقد المجلس الوطني الذي قاطعته الحركتان، وعدّتاه مخالفًا للتفاهمات الوطنية بشأن إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير، ولا سيما تفاهمات بيروت التي جرت في كانون ثاني/ يناير 2017.

اعتبرت حركة حماس في حينه، وعلى لسان رئيس مكتبها السياسي إسماعيل هنيّة، أنّ المجلس الوطني، وبما أنّه "لا يحمل بشكل وطنيّ مفهومَ الوحدة"، فإنّه "لا يعبّر عن الكل الوطني، بل يمسّ بشكل صارخ وحدة شعبنا، ويضرب المنظمة وشرعيتها وجدارة تمثيلها لكل أبناء شعبنا الفلسطيني."[5] وكانت حركة الجهاد الإسلامي قد رأت أنّ اجتماعات المجلس الوطني، جرت "وفق رؤية أحادية دون توافق، وبعيدة عن الإجماع الوطني، ما يجعلها تفتقد الشرعية الحقيقية."[6]

الموقف الذي اتخذته الحركتان بخصوص المجلس الوطني، بات موقفًا تأسيسيًّا انسحب على اجتماعات المجلس الأخيرة، وهو ما عبّر عنه حسام بدران، عضو المكتب السياسي لحركة حماس، بقوله "ذلك الموقف (أي مقاطعة المجلس المركزي) يتفق مع إجماع الفصائل الفلسطينية، وموقفها الموحد من السياسة المتسلطة لحركة فتح، التي نقلت المؤسسات الوطنية من نظام منتخب إلى إدارة فردية، تحقق مصالح فئة معينة على حساب مصالح الشعب الفلسطيني".[7]

وإضافة إلى الفصائل المشار إليها، فقد اتخذت تجمعات تمثل الشخصيات المستقلة، مواقف باتجاه المقاطعة أيضا، قائلة "إن رئاسة المجلس الوطني الفلسطيني لم تلتزم بتنفيذ ما سبق إقراره في اجتماعات المجلس المركزي السابقة، أو في تفاهمات وطنية أخرى".[8]

التهدئة كعنوان للاشتباك:

في كلمته أمام المجلس المركزي، أكّد الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس على موقفه من المصالحة مع حركة حماس، الذي يشترط توحيد السلاح في قطاع غزّة في إطار حكومة واحدة.[9]  وهو ما ترى فيه حركة حماس تهديدًا لسلاح المقاومة، ومسًّا بأهم أوراق القوّة التي تناور بها، وتحافظ من خلالها على مكانتها الفلسطينية والإقليمية.

وقد رحّب الرئيس عباس بالجهود المصرية لاستئناف حوارات المصالحة، لكنه شكّك في نوايا حماس تجاه المصالحة،[10]  واتهم قوى لم يسمّها، بتشجيع حماس على عدم السير في المصالحة. وفي الوقت نفسه، ذكّر الرئيس عباس بمواقف السلطة ومنظمة التحرير، واعتبر أنها كانت أوّل من تصدّى لصفقة القرن، وهو ما يلتقي مع دعاية حركة فتح والسلطة الفلسطينية، التي تتهم حماس بالسعي للانفصال بقطاع غزّة، في مشروع خاصّ ضمن ما يُعرف بصفقة القرن.

هيمنة أم أزمة؟

بالرغم مما يقوله مراقبون عن كون التفرد والهيمنة والاحتكار، هو السمة الغالبة على قيادة المنظمة الحالية في إدارتها الذاتية وعلاقتها الوطنية،[11]  فإنّها من الناحية الفعلية، لم تستدع المجلس الوطني في العشرين سنة الأخيرة إلا مرتين: في عام 2009 وعام 2018، وفي ظروف انقسامية تتأطّر بالغموض السياسي العام، وتآكل السلطة الفلسطينية مشروعًا وأفقًا وجغرافْيا، وهو ما يعزّز الاعتقاد بأنّ أسباب الاستناد إلى منظمة التحرير وشرعيتها، هي أسباب ذات صلة بالاصطفاف الفلسطيني الداخلي.

وهنا تنبغي الإشارة إلى انعدام اليقين الفتحاوي مع تراجع صحّة الرئيس عباس،[12] وخشية حركة فتح من مزاحمتها على موقعها السياسي من قبل قوى أخرى، لا سيما مع فداحة الاختلال في موازين القوى إقليميًّا ودوليًّا، وعلى نحو يتبنى رؤية اليمين الإسرائيلي بالكامل، بما يسحب عن قيادة فتح غطاءها السياسي أمام الجماهير الفلسطينية.

وبداهة، وفي ظل تنافسها مع حماس، وإذ تجد فتح نفسها في حاجة دائمة للتأكيد على شرعية احتكارها قيادة المشروع الوطني، فإنّها أكثر حاجة إلى ذلك وهي تراقب المبادرات الدولية والإقليمية المطروحة بخصوص قطاع غزّة، وهو ما يستفزّ هواجس التمثيل والقيادة لدى فتح، حيث يرى مراقبون أنّ تلك الهواجس رفعت الخصومة مع حماس إلى تناقض رئيس، بعدما كان التناقض الفلسطيني الرئيس تاريخيًّا مع الاحتلال فحسب.[13]

البقاء لأجل البقاء:

بسبب فشل مشروع التسوية تحوّلت السلطة الفلسطينية،  إلى هدف قائم بذاته لا يَعِدُ بأيّ أفق سياسي، وهذا يدفع قيادة السلطة، وكأيّ سلطة سياسية، مضطرة لخلق مجال سياسيّ ضيّق، والبحث عن أدواتٍ تجدّد بها شرعيتها، والتأكيد على استنادها إلى شرعية تاريخية وثورية سابقة على وجود السلطة، هي منظمة التحرير.

كما أن تجديد بنى المنظمة، وهندستها على مقاسات خاصة وضيقة، يمنح قيادة فتح أوراق قوّة أكثر في علاقاتها الوطنية، وفي تعزيز مكانتها بالنسبة للقوى الإقليمية والدولية، كما أنها تُبقي المنظمة ورقة يمكن الاحتماء بها، وتوظيفها، والحفاظ على المكاسب من خلالها، في حال تعرّضت السلطة الفلسطينية لانهيارات محتملة. وبهذا، فإنه يغلب على الأسباب التي دعت إلى عقد المجلس الوطني، ثم المركزي، أن تكون خاصة بقيادة فتح، لتعزيز مكانتها في مواجهة جملة من التحديات، منها تحديات ذاتية تخصّ حركة فتح نفسها، ومنها تحديات الخصومة مع حماس، والتحولات الإقليمية والدولية.

خلاصة.. نظرة في السياق والنتائج

اتساع مقاطعة المجلس المركزي الأخير، هو امتداد لمشكلة المجلس الوطني الذي انبثق عنه المجلس المركزي، والأهم أن سلسلة الانقسامات في المؤسسات الفلسطينية هي امتداد لجذر أساس هو الموقف من آلية التعامل مع وجود الاحتلال، فمن جهة باتت السلطة أكثر وضوحًا في موقفها من سلاح الفصائل الفلسطينية، ومن جهة أخرى باتت هذه الفصائل أكثر إدراكا للعقبات الماثلة أمام دورها في المؤسسات الرسمية للسلطة ومنظمة التحرير.

وأمّا حركة حماس، و بعدما تراجع تعويلها على المصالحة مع حركة فتح، فإنها تبحث في مسارات أخرى، منها مسار الهدنة لرفع الحصار عن غزة، والتخلص من الصعوبات التي تواجهها وهو مسار لا يخلو من المخاطر والتهديدات، خصوصا على مستوى العلاقات الوطنية لحركة حماس أو قدرة قطاع غزة على القيام بدوره في مواجهة الاحتلال في مرحلة تغول الاحتلال في بقية الأراضي الفلسطينية.

 استعصاء المشهد السياسي الفلسطيني يتعمق، بما يفوق العجز عن إنهاء الانقسام، ليتمظهر كأزمة في التمثيل والشرعيات تضعف قدرة السياسية الفلسطينية ككل. حالة الفشل في الاتفاق على الحد الأدنى الضروري لمواجهة تحديات قد تعصف بالوجود الفلسطيني ككل.

 


[1] [1] الزعنون: آن الأوان لتعليق الاعتراف بإسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين، موقع جريدة الأيام، 15 أغسطس 2018،https://bit.ly/2wKZcp7

[2] الجبهة الديمقراطية تقرر المشاركة في دورة المجلس الوطني برام الله، موقع وكالة قدس برس للأنباء، 29 نيسان/ إبريل 2018، https://goo.gl/W6ZgZo

[3] اتساع دائرة المقاطعة لدورة المجلس المركزي لمنظمة التحرير، صحيفة عرب 48، 15 آب/ أغسطس 2018، https://goo.gl/vMnrSh

[4] بيان صادر عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بمناسبة عقد دورة المجلس المركزي، موقع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، 15 آب/ أغسطس 2018، https://goo.gl/QhG2BQ

[5] نص كلمة رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية حول عقد المجلس الوطني بدون توافق، موقع حركة حماس، 30 نيسان/ إبريل 2018، https://hamas.ps/ar/post/9077

[6] الجهاد الإسلامي: اجتماع المجلس الوطني بلا قيمة، موقع قناة العالم الإيرانية، 8 آذار/ مارس 2018، https://goo.gl/fGcPTj

[7] بدران يثمن موقف الجبهة الديمقراطية مقاطعة المجلس المركزي، موقع حركة حماس، 14 آب/ أغسطس 2018، https://hamas.ps/ar/post/9554

[8] اتساع دائرة المقاطعة لدورة المجلس المركزي لمنظمة التحرير، موقع عرب 48، 15 نيسان/ إبريل 2018، https://goo.gl/npq1Yo

[9] الرئيس أمام المركزي: نحن أول من وقف ضد صفقة القرن وحاربها وسنستمر في ذلك حتى إسقاطها، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية/ وفا، 15 آب/ أغسطس 2018، https://goo.gl/BQxABx

[10] المصدر السابق.

[11] ثابت العمور، السلطة وتغييب المؤسسات، موقع العربي الجديد، 24 حزيران/ يونيو 2018، https://goo.gl/iCNWaw

[12] المصدر السابق.

[13] ساري عرابي، صفقة القرن.. معضلتنا الكبرى وحظنا من خطيئتها!، موقع عربي21، 3 تموز/ يوليو 2018، https://goo.gl/TFep39

شارك الموضوع اذا اعجبك