قراءة فى كتاب ( 3 ) نقمة النفط .. كيف تؤثر الثروة النفطية على نموّ الأمم

home_politics_blog5
قراءة في المشهد السياسي الإسرائيلي تشرين أول - أكتوبر 2016
4 نوفمبر ,2016

قراءة فى كتاب ( 3 ) نقمة النفط .. كيف تؤثر الثروة النفطية على نموّ الأمم

 

يبحث الكاتب في واحدة من أهمّ محركات السياسية العالمية، وهي الثروة النفطية التي تُشكّل أكثر من 90% من التجارة العالمية للموارد الطبيعية؛ فهي إذًا (النفط والغاز) من أهم الموارد الطبيعية على الإطلاق. أضف إلى ذلك أن النفط هو أهم صناعة في العالم، ففي عام 2009 تم استخراج نفط وغاز بقيمة 2,3 ترليون دولار أمريكي. يُشكّل النفط ومشتقاته 14,2% من تجارة السلع فى العالم.                   
                              
  هذه الثروات قد تكون ذات عواقب مؤذية وسلبية من الناحية السياسية لكثير من الدوال النامية كما يرى الباحث الذي أشار إلى ذلك بوضوح في ثنايا كتابه.
 
 يقع الكتاب فى سبعة فصول:
     
حمل الفصل الأول عنوان "في ثروة الأمم" 
 
فى هذا الفصل يوضح الكاتب كيف كانت البلدان النامية التي اكتُشِفَ فيها النفط أسوأ من التى لم يكن لديها ثروات نفطية، فمنذ عام 1980 أصبحت بلدان العالم النامي التي لا نفط لديها أكثر ثراء وديمقراطية.
 
إن دول النفط في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ليست أفضل حالاً، إذ تخلو من الديمقراطية والسلام، بل والأمر أسوأ من ذلك، فمثلاً خلال الفترة بين عامي 1980 و2006 تراجع دخل الفرد فى فينزويلا 6%، وفي الغابون 45%، وفي العراق 85%، ناهيك عن الحروب الأهلية فى أنغولا ونيجيريا والسودان والعراق والجزائر، فقد عانت تلك الدول كما ذكر الكاتب من لعنة الموارد نتيجة العلل السياسية والاقتصادية التي حصلت فيها بعد اكتشاف النفط، إلا أن بعض الدول استطاعت تجاوز تلك الاعتلالات مثل المكسيك والإكوادور وعُمان وماليزيا. 
 
من الذي جعل من النفط لعنة؟
 
أسباب عديدة كما يرى المراقبون؛ منها القوى الأجنبية التي تتدخل في البلدان النامية وتتلاعب بحكوماتها،  بينما يرى آخرون أن سبب المشكلة هي شركات النفط العالمية وأبرزها (شل، بريتيش بتروليوم، إكسون موبيل) ومع أن الدول المنتجة للنفط قامت بتأميم صناعاتها وقد خفف ذلك من دور شركات النفط إلا أن مشاكل تلك الدول تفاقمت وأصبحت أكثر تعقيدًا.
من جانب آخر يعزو معظم علماء الاجتماع لعنة النفط إلى حكومات الدول المنتجة للنفط بسبب ضعف الأداء الاقتصادي وغياب الديمقراطية والحروب الأهلية المتكررة وانعدام المساواة والسياسات قصيرة النظر ومؤسسات الدولة التي جرى إضعافها عمدًا.
 
استعرض الكاتب تلك النظريات ومبرراتها، وخلاصة ما يقوله إن مشكلات دول النفط الاقتصادية والسياسية ناتجة عن العائدات غير العادية لإيرادات النفط؛ من حيث حجم تلك العائدات ومصيرها وسرّيتها، وهذا الصفات المميزة للعائدات ترتقي أو تسوء حالاً تبعًا للقوة المتنامية لشركات النفط المملوكة من قبل الدولة، إذ غالبًا ما تتواطأ الحكومات مع شركات نفط عالمية لإخفاء صفقاتها وتعاملاتها التجارية وتستخدم شركاتها النفطية الوطنية لإخفاء نفقاتها وإيراداتها.  
 
إيرادات النفط من نعمة إلى نقمة!!
 
فى الفصل الثاني تحدث الكاتب عن مشكلة إيرادات النفط، وقدّم بيانات حول إنتاج الدول النامية للنفط مُوَضّحةً بإحصائيات ورسوم بيانية، كان الهدف منها توضيح الحجم الهائل للعائدات النفطية التي لا تنعكس على المستوى المعيشي لتلك البلدان.
 
كان التركيز الأكبر للكاتب في هذا الفصل على السّرية الاستثنائية للدول النفطية؛ والتي من أسبابها استعمال الدول حسابات خارج الميزانية الرسمية؛ وتكون مخفية ضمن ثنايا حسابات شركات النفط الوطنية التى تحجب السجلات الخاصة بالموارد المالية من التدقيق العام، ومن الأمثلة الشهيرة في هذا الصدد استخدام الرئيس الإندونيسي الأسبق سوهارتو شركة النفط الوطنية (بترامينا ) فى توزيع مساعدات مالية بشكل سِرّي على أنصاره ومؤيديه قبل الإطاحة به عام 1988، فقد كانت شركة بترامينا تتحكم بثلث ميزانية الحكومة وكانت كل حركاتها المالية محمية وسِرّية.
 
أيضًا اعتماد الحزب الثوري التأسيسي الذي حكم المكسيك من 1929 حتى 2000 اعتمادًا شديدًا على التمويل من شركة النفط الوطنية بيمكس (الشركة المكسيكية للبترول)، والتي سربت أكثر من مائة مليون دولار لحملة إعادة انتخاب الحزب الثوري التأسيسي فى انتخابات عام 2000.
 
هذا الحال لا يقتصر على الدول الاستبدادية فقط، بل يحدث في دول أخرى شبه ديمقراطية كما وصفها الكاتب، مثل إيران التي تمرر حكومتها أرباح النفط إلى شخصيات بارزة ذات قوة ونفوذ سياسي عبر "البونيادات" 1، وهى مؤسسات شبة حكومية قائمة اسميًّا وظاهريًّا خارج نطاق الحكومة معفاة من الكشف عن أنشطتها العامة.   
 
ليست شركات النفط الوطنية في الدول الديمقراطية أفضل حالاً، بل قد تكون فاسدة بالقدر ذاته، فقد كانت شركة فرنسا الوطنية للنفط "إلف أكيتان" ممولاً لحملات انتخابية لأحزاب سياسية، خاصة حزب التجمع الديغولي من أجل الجمهورية، فقد اكتشفت النيابة العامة أن عددًا من المدراء العامين في الشركة اختلسوا 400 مليون يورو تقريبًا لتمويل حملات انتخابية ورشوة سياسيين أجانب وإثراء أنفسهم، وفي عام 2003 بدأت محاكمة عدد منهم. 
 
نفط أكثر.. ديمقراطية أقل
 
هكذا عنون الكاتب الفصل الثامن من الكتاب، وفيه يوضح كيف أبقى النفط الحكام المستبدين ممسكين بزمام السلطة عبر تمكنهم من زيادة الإنفاق وتخفيض الضرائب وشراء ولاء القوات المسلحة، وإخفاء فسادهم، لاسيما في دول الشرق الأوسط، إلا أن هذا الحديث ليس على إطلاقه فما زالت مجموعة -وإن كانت محدودة- من الدول النفطية مثل المكسيك ونيجيريا تشهد تحولات ديمقراطية في الفترة الأخيرة، ما يعني أن هذه القاعدة ليست مطلقة؛ فقد شذّت عنها دول أوروبا اللاتينية.
 
ويعزو بعض الدارسين السبب في ذلك إلى أن النفط يعوق الديمقراطية فقط في البلدان التي لديها مستويات منخفضة من التفاوت الاجتماعي، أما البلدان التي لديها مستويات مرتفعة من التفاوت الاجتماعي مثل أمريكا اللاتينية فإن النفط يسرّع وتيرة التحول إلى الديمقراطية من خلال تخفيض حدّة القلق لدى النخب الثرية من أن تؤدي الديمقراطية إلى مصادرة ملكياتهم الخاصة.
 
تفسير آخر يذهب إلى أن النفط يعوق الديمقراطية فقط في البلدان التي لا يتوفر لديها خبرة ديمقراطية سابقة، حيث يجعل النفط الحكام المستبدين أكثر شعبية.
 
في الدول الديمقراطية أثبتت المؤشرات -وبناء على دراسات أوردها الكاتب- أن النفط عزز قوة موقف أصحاب المناصب المنتخبين ديمقراطيًّا، ومكنهم من إزالة القيود المفروضة على الديمقراطية؛ ومن أوضح الأمثلة على ذلك الولايات المتحدة الأمريكية؛ حيث إن قدرًا كبيرًا من صناعة النفط تُنظّمه الولايات، لا الحكومة الاتحادية، وهذا يعني أن بوسع حكومات الولايات أن تحصل على عائدات نفط ضخمة ومهمة، فقد توصلت بعض الدراسات إلى أن احتمالات إعادة انتخاب الحكام الحاليين للولايات التي لديها إيرادات نفطية أكبر تبقى أكثر رجحانًا.
 
وصل الكاتب في فصله الثالث من الكتاب إلى بعض الخلاصات مفادها: 
 
 
 
  • في دول الحكم الاستبدادي ترتبط زيادة عائدات النفط بانخفاض فرصة التحول إلى الديمقراطية.
  • في الدول الديمقراطية منخفضة الدخل ترتبط زيادة دخل النفط بتعزيز فرصة التحول إلى الحكم الاستبدادي. 
  • أمريكا اللاتينية (حالة استثنائية) يرتبط دخل الفرد فيها مع زيادة احتمال التحول إلى الديمقراطية. 
  • اعتماد سِرّية المعلومات النفطية من الحكومات يكون بالتعاون مع الشركات الوطنية.
  • سِرّية المعلومات النفطية بين الحكومة والشركات الوطنية هو العامل الأكبر في تأثيرات النفط المثبطة للديمقراطية. 

 

النفط والعنف
 
"الضرورة الأولى والأكثر حتمية في الحرب هي المال، لأن المال يعني كل شيء آخر – الرجال، البنادق، الذخيرة."
 
هكذا اختصرت الصحفية الاستقصائية الأمريكية إيدا منيرفا تاربيل (1857 – 1944) ما تعنيه الحرب، فكلما زادت ثروات البلاد كانت نسبة الحروب الأهلية فيها أكبر، فقد توفي بين عامي 1945 - 1999 أكثر من ستة عشر مليون إنسان في حروب أهلية، ومنذ تسعينيات القرن الماضي كان احتمال تعرض البلاد النفطية لحروب أهلية يزيد بنسبة 50% عن البلاد التي لا يوجد فيها نفط، وقد أجريت دراسات كثيرة حول أسباب الحروب الأهلية وعواقبها، إلا أن معظم الباحثين يتفقون على بعض الحقائق الأساسية ومنها: 
 
  1. إن معظم حروب العالم في الوقت الحاضر تجري داخل الدول وليس بين الدول، فما بين عامي 1989 – 2006 تم تسجيل مائة واثنين وعشرين ( 122)  نزاعًا مسلحًا حول العالم، 115 منها كانت حروبًا أهلية، وسبع حروب فقط بين الدول، وفي عام 2009 مثلاً لم تكن حروب دولية، لكن العام نفسه شهد 36 حربًا أهلية. 
     
  2. تندرج الحروب الأهلية في فئتين: الأولى حروب انفصالية تدور رحاها من أجل الاستقلال الإقليمي، أما الثانية فهي حروب تدور من أجل السيطرة على الحكومة المركزية، فما بين عامي (1960 - 2006) كان 30% من الحروب الأهلية من العالم حروبًا انفصالية، و70% حروبًا حكومية.

 

 
هناك فروق جوهرية وأساسية بين الفئتين، منها أن الحروب الانفصالية تدوم زمنًا أطول من الحروب الحكومية، مع أنها تؤدي إلى عدد أقل من الضحايا، ثم الحروب الانفصالية توجد في بعض المناطق من العالم مثل جنوب آسيا وجنوب الصراء الإفريقية الكبرى، بينما الحروب الحكومية موجودة في معظم أنحاء العالم وفترتها الزمنية أقل.
 
لماذا يسبب النفط صراعًا عنيفًا؟ 
 
أسباب كثيرة تدفع إلى التمرد والانفصال؛ إلا أن صناعة النفط هي مجال ابتزاز كبير جدًّا وله من المغريات ما ليس لغيره، وترجع عوامل الإغراء والابتزاز إلى أسباب ثلاثة: 
 
  1. الموقع: حيث إن المنشآت النفطية أكثر ميلاً من غيرها من المؤسسات الكبيرة للعمل في أماكن فيها مخاطر أمنية عالية.
     
  2. الحوافز القوية: يوجد لشركات النفط حافز قوي جدًّا للبقاء والاستمرار في مواجهة الخطر بفضل استثماراتها الضخمة في الأصول الثابتة التي لا يمكن أن تباع بسهولة أو تنتقل إلى الخارج.
     
  3. إن شركات النفط تكتسب ريوعًا (أرباحًا إضافية) خاصة التي تبيع منتجاتها في الأسواق التنافسية وذلك بخلاف الشركات الصناعية الأخرى، وهذا يساعدها في تحمل أعباء النفقات الإضافية بسبب العمل في مناطق خطيرة، حيث تستطيع استئجار وحدات عسكرية لحماية منشآتها كما هو الحال في إندونيسيا و اليمن، أو أن تدفع فديات مالية كبيرة جداً عند اختطاف موظفيها كما حصل في نيجيريا وكولومبيا، وهذه  الريوع تجعل من شركات النفط والغاز أهدافًا مغرية للابتزاز.
     

 

تشير الدراسات الإحصائية إلى أن إنتاج النفط في بلد مرتبط بخطر الحروب الأهلية فيها، يتضح ذلك من خلال حساب المعدل السنوية للحروب الأهلية التي تعاني منها الدول النفطية والدول غير النفطية، فبين عامي 1960 - 2006 واجهت البلاد غير النفطية احتمال اندلاع صراع جديد بنسبة 2.8%، بينما في البلاد النفطية كانت النسبة 3.9%، الشكل التالي يوضح تصدر إيران والعراق من حيث كثرة النزاعات وعدم الاستقرار: 
 
 

 

البلد

 

سنوات الصراع

 

الصراعات الكبيرة

 

الصراعات الحكوكية

 

الصراعات الانفصالية

 

العراق

 

37

 

21

 

5

 

3

 

إيران

 

24

 

10

 

5

 

5

 

الجزائر

 

16

 

9

 

1

 

0

 

أنغولا

 

26

 

24

 

2

 

0

 

روسيا

 

14

 

6

 

1

 

5

 

المملكة المتحدة

 

13

 

0

 

0

 

2

 

الكونغو

 

6

 

2

 

3

 

0

 

 
 
هل يعني امتلاك النفط تحقيق النمو الاقتصادي؟ 
 
كان علماء الاجتماع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي يعتقدون أن ثروة الموارد مفيدة للنموّ الاقتصادي وظنوا حينها أن هناك مستقبلاً زاهرًا للدول الإفريقية الغنية بالمعادن، وأن دول شرق آسيا الفقيرة بالمعادن ستواجه صعوبات كبيرة، لكن العكس تمامًا ما حصل، لقد حدث في دول الشرق آسيا نموّ اقتصادي قوي دائم لعقود من الزمن، بينما عانت معظم دول إفريقيا فشلاً تنمويًّا ذريعًا. 
 
أما دول الشروق الأوسط الغنية بالنفط فقد سجلت في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين تراجعًا واضحًا في معدلات النموّ الاقتصادي؛ مثلاً في عام 2005 كان نصف الدول الأعضاء في أوبك أفقر حالاً مما كانت علية قبل ثلاثين عامًا من ذلك التاريخ.
 
 
معلومات الكتاب:
 
 العنوان: نقمة النفط "كيف تؤثر الثروة النفطية على نمو الأمم". 
المؤلف: مايكل روس
المترجم: محمد هيثم نشواتي 
عرض: مركز رؤية للتنمية السياسية 
الناشر: منتدى العلاقات العربية والدولية 
تاريخ النشر: الطبعة الأولى 2014 
عدد الصفحات: 430
أعد الورقة: أحمد قاعود

_____________________________

1.البونيادات: هيئة اقتصادية ضخمة تُشغّل مئات الشركات، وتقدّر ثروتها بما يصل إلى 40% من الناتج المحلي الإيراني. تأسست بعد الثورة مباشرة مستولية على مليارات الدولارات من أصول العائلة المالكة السابقة، ومن البنوك، ومن أملاك (المرتدين). والمؤسسات التابعة لها معفاة من الضرائب وتشارك في أنشطة واسعة في التجارة والخدمات الاجتماعية والشؤون الثقافية. وهي من أكبر المنشآت الاقتصادية في الشرق الأوسط. ويقوم عليها إقطاعيون من رجال الدين الأقوياء. وأصبحت وسيلة لترهيب وترغيب التجار بدفع الأموال لها. وكل مدينة رئيسة يوجد بها بونيادات مرتبطة بمعممين محليين.

شارك الموضوع اذا اعجبك