Logo

التطبيع العربي الإسرائيلي... تعاظم المسارات وتلاقي المصالح

03/08/2019 د. إياد أبو زنيط

 

جاءت نشأة "دولة إسرائيل" إثرَ قرارٍ أممي ينطوي على تقاربٍ ثقافي وحضاري مشتركٍ مع الغرب، فعملت الظروف في تلك اللحظة على ولادة الدولة المصطنعة الجديدة، لكن المحيط الجيوسياسي التي نشأت فيه كان مختلفاً عنها، فطوال العقود التي تلت الإعلان عن قيامها اعتُبر ذلك المحيط مصدراً مستمراً من مصادر التهديد بالمعنى الوجودي، ومع تبدل وتغير موازين القوى في الإقليم زادت التهديدات الخارجية المؤثرة على إسرائيل أو قلت طبقاً لطبيعة تلك التبدّلات والتغيرات، وهذا ما حدا بإسرائيل لبناء سياستها الأمنية والدفاعية وعلاقتها الخارجية وفقاً لتغيرات البيئة الإقليمية والعالمية.

تُعد منطقة الشرق الأوسط التي تقع "إسرائيل" في قلبها الأكثر قابلية للتأثر بالمتغيرات الإقليمية والعالمية بسبب اتساع نطاق وعمق صراعاتها،2 فقد زادت التغيرات في تلك المنطقة في السنوات الأخيرة بشكلٍ ملحوظ، وظهرت تفاعلات جديدة تنوعت في مكوناتها السياسية، فسقطت أنظمةٌ وبرزت أخرى، وتدفق إلى السطح تنظيمات دينية وأحزاب جديدة، ونتج عن تلك المتغيرات بروز ولاءات جديدة مقسمةٍ ما بين دينية وقومية وقطريةٍ وغيرها، وصراعات من نوع جديد، سنيةٍ وشيعية، وبرزت في الإقليم قوىً متعددة، تنوعت أنماط علاقتها ما بين التحالفية والتصارعية، مما دفع بـ"إسرائيل" لانتهاج سياسة حذرة تراوحت بين المراقبة والتدخل، ومحاولة فرض مساراتٍ جديدة في التعامل مع الإقليم.

فالمحاولة الجديدة لبناء شرق أوسطٍ مختلفٍ عما سبقه تتطلب رؤىً مبتكرة، ومن الطبيعي أن تترافق مع مرحلة إعادة الترتيب، مرحلة تغيرٍ في الأدوار، وأنماط السلوك السياسي، المتأثر بقوة المؤثرين والداعين أو المساهمين الفعليين في إعادة توزيع الأدوار على الوكلاء الجدد، وبناء تحالفاتٍ استراتيجية، لا بُدّ وأنْ تتأثر إسرائيل بها، كونها أهم أحد المؤثرين والمتأثرين في آنٍ واحد، لذا فمن المستبعد أن تَخرج من دائرة التأثر عربياً وإقليماً.

الساحة العالمية كذلك شهدت تغيراتٍ عدة في النظام العالمي منذ قيام إسرائيل وحتى اللحظة، كانت إسرائيل تتعامل مع تلك التغيرات باعتبارها أهم المؤثرات عليها، بسبب إدراكها أنَّ وجودها المصيري يستند لمدى ارتباطها بأحد الأقطاب العالمية الكبرى، وذلك انطلاقاً من رؤية تاريخية تُسمى بالنموذج الفارسي،3 ويعتمدُ على قيام إسرائيل بالوقوف إلى جانب السياسات الخارجية لدولةٍ كبرى ومحاولة تطويعها لمصلحتها، خاصة وأنها تعيشُ في وسطٍ قد يتحول بين ليلةٍ وضحاها إلى عدو.

بدايةً، رفضت الدول العربية فكرة وجود إسرائيل على أرض فلسطين، وذلك قبل إنشائها، وتجلى ذلك من خلال رفضها لقرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، رقم 181 عام 1947م. بعد الإعلان عن قيام "دولة إسرائيل" في عام 1948م، دخلت الجيوش العربية حالةَ حرب مع الدولة الوليدة، فكانت النتيجة آنذاك احتلال إسرائيل ما يقرب من 72% من مساحة فلسطين.4

وقعت معظم الدول العربية اتفاقات هدنة في العام 1949م، إلاّ أن الصراع استمر فيما اصطُلِح على تسميته بالصراع العربي –الإسرائيلي. وباحتلال إسرائيل لباقي الأراضي الفلسطينية عام 1967م، ويأس الأنظمة العربية من التصدي للاحتلال الإسرائيلي، قامت أولى العلاقات العربية العلنية بين إسرائيل ومصر، فيما عُرف باتفاقية (كامب ديفيد) عام 1978م، ومن ثم اتفاقية أوسلو مع السلطة الفلسطينية، ووادي عربة مع الأردن.5

لم تكن الدول السابقة الذكر، الوحيدة في إقامة علاقاتٍ مع إسرائيل ولكنها العلنية الواضحة منها. دولٌ أخرى كذلك كان لها علاقاتها، ومنها موريتانيا عام 1998م، وقطر عام 1997م، وعُمان عام1996م، والمغرب عام 1994م، وغيرها من العلاقات ذات الطابع شبه السري، وإن كان بعض تلك العلاقات قد مَرَّ بمراحل من التجاذبات تميزت بالانقطاع تارة والعودة مرةً أخرى.6

وفّرَت العلاقات العربية –الإسرائيلية، لإسرائيل نوعاً من الشعور النسبي بالأمان في الفترة السابقة، حيث امتازت بتطوير التبادل الاقتصادي وبخاصةٍ اتفاق تصدير الغاز المصري لإسرائيل، وكذلك التبادل الثقافي، ومحاولة استيعاب إسرائيل كدولة أمرٍ واقعٍ على الأرض.7

ويمكن القول، أنَّ إسرائيل استخدمت نظرية "المباريات"8 في علاقاتها مع الدول العربية، في مختلف أنواع علاقاتها، بل أن واضعي السياسة في إسرائيل بالرجوع إلى المراكز البحثية الإسرائيلية المعنية بالأمر، أخذوا بوضع نماذج لنظرية المباريات عن طريق استهداف أشخاص، مؤسسات، دول، أمم، وغيرها حسب الحاجة، ودراسة ردود الأفعال؛ لمعرفة الاستجابة المطلوبة، وبالتالي كيفية إدارة الأزمات من قِبلهم، ذلك وأنّه من خلال تلك النظرية تمكنت إسرائيل من التنبؤ بما يمكن أن يجري ووضعت مجموعةً من الاحتمالات التي مكّنتها من توسيع وتطوير علاقاتها مع العرب، بحيث كانت اللاعب الأكثر فوزاً والأقل خسائرَ.9

في العام 2003م، ومع انهيار النظام العراقي أحد الأنظمة العربية المؤثرة، وانفتاح العراق على مصراعيه للتدخلات الخارجية، بدأت معالم تحولٍ جديد في المشهد العربي، ومع بداية العام 2011م، وهو العام الذي انطلق فيه الحراك الشعبي العربي، وانتقالهِ إلى دولٍ عربيةٍ مجاورةٍ لإسرائيل، تربطها معها حدودٌ طويلة، كمصر وسوريا، بدأت التحولاتُ تلقي بظلالها، على طبيعة العلاقات القائمة مع إسرائيل، وأخذت خيوط اللعبة تنسج من جديد، فالوضع الطارئ الذي حدث، أربك السياسة الإسرائيلية التي لطالما حاولت إبقاء أنظمة عربيةٍ حليفةٍ لها أو مسالمةٍ على علاقة واضحة المعالم معها.

جاء الحراك العربي، أو التغير في الوضع القائم متناقضاً مع الوضع الذي وُصف سابقاً، وعلى الرغم من عدم القدرة على توصيف واقع التغيير بدقة في هذا الوقت على الأقل، نتيجة الاختلالات الناجمة عن المراحل التي تلت التغيرات محل الحديث، إلاّ أنّه من الواضح أنَّ تلك التغيرات والتحولات قد تركت آثاراً في مختلف تفاصيل المشهد الجيوسياسي في المنطقة، على الرغم من عدم وضوح معالم التغيير الاستراتيجي في المنطقة العربية، الأمر الذي يجعلُ منه سبباً كافياً لإثارة قلق إسرائيل ومحاولتها استثمار ما يجري لصالحها.10

لم يُكتب للتغيرات العربية بعد العام 2011 النجاح بفعل عوامل متعددة، لعبت إسرائيل فيها دوراً بارزاً، وطفا على السطح أنظمة جديدة تُشبه تلك القديمة التي تم خلعها، ومن منطلق حفظ الأمن لبلدانها، وبسبب الضغط الأمريكي على تلك البلدان، زادت الروابط مع إسرائيل، التي استطاعت إيهام تلك الدول بتعاظم الخطر الإيراني، وبتلاقي مصالحها الاقتصادية مع تلك الدول، أو استطاعتها تحسين علاقتها مع الولايات المتحدة الأمريكية من خلالها، أو للحفاظ على الحكم.

اليوم، تزداد العلاقة مع إسرائيل ارتباطاً ونحن في العام 2019م، وتنتقل في معظمها من السرية للعلنية، في وقت يزداد فيه الضغط على القضية الفلسطينية التي تعتبر تداعياتها الموجد الأول لإسرائيل في المنطقة، وبحكم التنامي الحاصل في تطبيع الحالة العربية الإسرائيلية والمتوقع امتدادها لتشابك المصالح سابقة الذكر، فمن شبه المؤكد أن تستمر القضية الفلسطينية تعاني التضييق، في حال عدم حصول تغيرات جيوسياسية في المنطقة.

المقالة لا تعبر بالضرورة عن رأي المركز


1 د. إياد أبو زنيط، باحث في مؤسسة "يبوس" للاستشارات والدراسات الاستراتيجية، رام الله، وأستاذ العلوم السياسية في عدد من الجامعات الفلسطينية.

2محمد السعيد إدريس، "تحليل النظم الإقليمية: دراسة في أصول العلاقات الدولية الإقليمية"، القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، 2001م، ص 124.

3يمكن أن تعيش إسرائيل كجزء من نظام امبراطوري حتى كحليف خاضع، أو ككيان مستقل شيئاً ما، أو كحكم محلي تابع لتلك القوة. وفي كل الأحوال، تحتفظ بهويتها وتفقد هامش الحركة بحريةٍ كبرى، في السياسة الخارجية والقدرة في السياسة الداخلية، ويمكن إطلاق اسم النموذج الفارسي، نسبة إلى وضع اليهود أثناء الامبراطورية الفارسية كتابعين لها، ففي الرواية التاريخية أنّ الملك الفارسي (قورش) أعاد اليهود إلى القدس في عام 538 ق.م بعد سبيهم إلى بابل، وقد أثنت كتب اليهود في العهد القديم على ذلك النموذج، واعتبر الملك (قورش) المخلص الأعظم لهم، وقامت دولتهم العبرية تحت مظلة الامبراطورية الفارسية، وتلقت الدعم منها.. والنموذج الفارسي ما زال أحد النماذج التي تعتمدها إسرائيل حتى اللحظة في البقاء. لمزيد من المعلومات حول الموضوع، انظر دراسة:

جورج فريدمان، "كيف تُهزم إسرائيل: دراسة في الجغرافية السياسية"، والمنشورة بتاريخ 16/5/2008م، على الرابط الإلكتروني التالي: http://www.marketoracle.co.uk/Article4728.html

4مأمون سويدان، "علاقات إسرائيل مع العالم العربي"، في: عاطف أبو سيف وآخرون، "علاقات إسرائيل الدولية: السياقات والأدوات،الاختراقات والإخفاقات"، رام الله: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، 2014م، ص 411.

5المرجع السابق نفسه، ص 412.

6عوض محسن وآخرون، "ثلاثون عاماً من المواجهة"، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 2007م، ص 69-80.

7أحمد يوسف وآخرون، "حال الأمة العربية 2005م"، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، 2006م، ص 125.

8نظرية "المباريات" أو نظرية "اللعبة"، هي أحد الأساليب المنهجية لدراسة الصراع والتعاون بين الدول، والتي تفترضُ أنَّ لكل لاعب مجموعة من الأهداف، يسعى لتحقيقها عن طريق حصوله على أكبر مكاسب ممكنة وأقل الخسائر. وهي نظرية ظهرت عام 1921م، على يد عالم الرياضيات (إميل بوريل)، وطُبقت بداية في المسائل الاقتصادية، ومن ثم انتقل تطبيقها في العلاقات بين الدول، وتقوم على التنبؤ بسلوكيات الخصم ومعرفة توجهاته المستقبلية المحتملة، والتصرف على ضوء ذلك، وهو النموذج الذي استخدمته إسرائيل مع الدول العربية. انظر:

John C. Harsanyi ,"Game Theory and the Analysis of International Conflict" ,in James N. Rosenau (ed) . International Politics and Foreign Policy – a reader in research and theory,The Free Press, USA,1969 ,p.370 .

أو انظر:

حامد أحمد هاشم، "نظرية المباريات ودورها في تحليل الصراعات الدولية: الصراع العربي الإسرائيلي"، القاهرة: مكتبة مدبولي، 1984م، ص 20-28

9المرجع السابق الأخير نفسه، ص 32.

10مجموعة باحثين، "التوازنات والتفاعلات الجيوستراتيجية والثورات العربية"، قطر: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وحدة تحليل السياسات، 2012م، ص 8.