Logo

مبادرة الفصائل الفلسطينية للمصالحة ودعوة الرئيس عباس للانتخابات.. سؤال الجدّية والمناورة

10/21/2019 مركز رؤية للتنمية السياسية

 

مقدمة

أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس في السادس والعشرين من أيلول/ سبتمبر الماضي، في خطابه في الدورة الرابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، عن نيته الدعوة لعقد انتخابات عامّة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة والقد]، وذلك بعد وقت وجيز على مبادرة طرحتها ثمانية فصائل فلسطينية، للمصالحة وإنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس، حيث تسلمت الحركتان هذه المبادرة في التاسع عشر من أيلول/ سبتمبر الماضي. وهذه الفصائل هي حركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، وحزب الشعب الفلسطيني، وحركة المبادرة الوطنية، والاتحاد الديمقراطي الفلسطيني "فدا"، والجبهة الشعبية/ القيادة العامة، وطلائع حرب التحرير الشعبية.[2]

 وافقت حركة حماس على مبادرة الفصائل، رغم أنّها، كما قالت الحركة، لم تنصّ على "إنهاء الإجراءات الصعبة التي اتخذتها قيادة السلطة ضدّ قطاع غزة"[3]. أما حركة فتح، وفي أول تعقيب لها على لسان بعض مسؤوليها، فقد اعتبرت المبادرة "ورقة مجاملات فضفاضة، وليست حاسمة، ولا تصلح أن تكون مدخلا لتحقيق المصالحة"[4]. ولم تُقدّم الحركة ردًّا رسميًّا على المبادرة[5]، ولم تُصدر بيانات رسميّة بخصوصها، وإن كانت قد رفضتها عمليًّا، سواء بحديث الرئيس عبّاس عن الانتخابات، الذي يتجاوز الجدول الزمني الذي اقترحته المبادرة للوصول إلى الانتخابات، أو بتصريحات بعض قيادات الحركة، ولا سيما عضو لجنتها المركزية عزّام الأحمد، الذي اعتبر المبادرة "محاولة لتخريب الجهود المصرية في ملف المصالحة"[6]، متهمًا الفصائل التي قدّمت المبادرة، بأنّها باتت تتلقى أوامرها من حماس.[7]

إن تزامن الدعوة لانتخابات تشريعية جديدة مع مبادرة الفصائل، والموقف المتباين من هذه المبادرة ما بين حركتي فتح وحماس، يطرح التساؤل عن أسباب الدعوة لهذه الانتخابات في هذا التوقيت بالذات، فهل هي هروب من استحقاق المصالحة أمام انغلاق الحالة السياسية؟ أم أنّ وراء هذه الدعوة أسبابًا أخرى، داخلية وخارجية؟

للإجابة عن هذه التساؤلات، تستعرض هذه الورقة مضامين كل من مبادرة الفصائل ودعوة الرئيس عبّاس، وذلك بتحليلهما في ضوء الوقائع الجارية، وملابساتها القريبة.

 

المصالحة والانتخابات.. مسارات وملابسات

وُقعت آخر اتفاقات المصالحة بين حركتي فتح وحماس في القاهرة في تشرين أول/ أكتوبر 2017. ومنذ ذلك الوقت، والحالة الوطنية الداخلية في جمود يتّسم بالتوتر والتصاعد في بعض الفترات، لا سيما بعد التفجير الذي استهدف موكب رئيس الوزراء السابق رامي الحمد الله، ومدير المخابرات العامّة ماجد فرج، وذلك في قطاع غزّة في آذار/ مارس 2018، مما أدى إلى تفجر اتفاق المصالحة نفسه.

وإذا كانت الحركتان قد تبادلتا الاتهامات حول الضالعين في ذلك الانفجار وأهدافهم، فإنّ حركة فتح، ومن خلال قيادتها لكل من منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، قامت، وعلى نحو منفرد، بعدّة خطوات جوهريّة، طالت عمق النظام السياسي الفلسطيني، ونجمت عنها تداعيات كبيرة، ومآلات ممتدة. فقد عُقد المجلس الوطني في دورة عادية بعد عشرين عامًا لأوّل مرّة، وذلك في شهري نيسان/ إبريل وأيار/ مايو 2018، أي بعد فترة وجيزة على تفجر اتفاق المصالحة، وقد انبثق عن هذا المجلس مجلس مركزي جديد، ولجنة تنفيذية جديدة لمنظمة التحرير، في ظلّ مقاطعة من فصائل أساسية في المنظمة.[8]

لا يمكن والحال هذه، إغفال تزامن التراجع عن اتفاقية المصالحة مع عقد المجلس الوطني، ثم استخدامه في سلسلة إجراءات لتجديد الشرعية للقيادة الراهنة لمنظمة التحرير، وعلى نحو متفرّد قد يتّصل بالظرف الفتحاوي الداخلي وسؤال ما بعد عبّاس، وبخلق جوّ سياسيّ جديد بسبب الانسداد المستحكم داخليًّا، والانسداد في الصراع مع الاحتلال. كما أنّه بالضرورة وثيق الصّلة بالخصومة الداخلية مع حركة حماس، ليس فقط من حيث تجاوزه لاتفاقيات المصالحة، التي نصّت على تشكيل إطار قياديّ مؤقت لمنظمة التحرير إلى حين انتخاب المجلس الوطني الجديد[9]، ولكن أيضا، باستخدامه للمناورة الداخلية، أو إخراج الخصم السياسي من النظام السياسي، أو فرض وقائع جديدة يصعب تجاوزها.

تلا هذا الإجراء، حلّ المجلس التشريعي الفلسطيني في كانون أول/ ديسمبر 2018، بقرار من المحكمة الدستورية، التي تعرّضت في ملابسات تشكيلها، وفي بعض قراراتها، لنقد قانونيّ كثيف، عن انحيازها في عدد من قراراتها لإرادة السلطة التنفيذية، ومنها قرارها بحلّ المجلس التشريعي، بحجة انتهاء ولايته القانونية، دون التطرق لمنصب رئيس السلطة الفلسطينية، المنتهية ولايته أيضا.[10]

وبصرف النظر عن أيّ أهداف سياسيّة يتوخّاها هذا الإجراء، فإنّه في بُعده الفلسطيني الداخلي، يُخرج حماس سياسيًّا من النظام السياسي الفلسطيني، الذي دخلته عبر بوابة الفوز في الانتخابات التشريعية عام 2006، ويقطع الصلة القانونية ما بين إدارتي قطاع غزّة والضفّة الغربية. وهو ما جرى تعزيزه بإقالة رامي الحمد الله، رئيس حكومة الوفاق الوطني، الناجمة عن اتفاق الشاطئ[11]، وتشكيل حكومة يرأسها أحد أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح، وقد عبرت حركة حماس عن رفضها لهذه الإجراءات التي تتعارض مع الاتفاقات الموقعة.

بيد أنّ المحكمة الدستورية ذيّلت قرارها حول حلّ المجلس التشريعي، بدعوة الرئيس عباس إلى إعلان إجراء الانتخابات التشريعية خلال ستة أشهر من تاريخ نشر هذا القرار في الجريدة الرسمية[12]. بمعنى أنّه كان يُفترض أن يعلن الرئيس عباس عن إجراء الانتخابات التشريعية في أواخر حزيران/ يونيو 2019، وهو الأمر الذي لم يتمّ. كما أن كتاب تكليف حكومة محمد اشتيّة، تضمن "اتخاذ الإجراءات اللازمة كافّة، وبالسرعة الممكنة، لإجراء الانتخابات التشريعية في محافظات الوطن، الجنوبية والشمالية، بما فيها القدس".[13]

وإذا كان حلّ التشريعي يقتضي شكليًّا ضرورة الإشارة إلى إجراء انتخابات، كما في قرار المحكمة الدستورية وكتاب تكليف اشتية، فإنّ الحديث عن الانتخابات كمخرج لأزمة الانقسام الفلسطيني، مثّل لازمة دائمة في خطاب حركة فتح[14]، كما أنّه ظلّ عنصرًا حاضرًا في اتفاقيات المصالحة بين حركتي فتح وحماس، ولكن في إطار التوافق، وضمن رزمة تفضي إلى انتخابات شاملة للسلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية.

بالنّظر إلى هذا المسار، يمكن القول إنّ الدعوة إلى الانتخابات كانت دائمًا مناورة سياسيّة تجاه استحقاقات المصالحة، تراهن على تحفّظ حركة حماس وتخوفها، لا سيما بعد تجربتها عام 2006، والتي انتهت بالانقسام، ثم بحصار قطاع غزّة، وتفكيك تنظيماتها المحليّة في الضفّة الغربية. ولكن اللافت اليوم، وبخصوص دعوة عبّاس للانتخابات، هو موقف حركة حماس، إذ وافقت عليها بشرط أن تشمل الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمجلس الوطني، ودعت إلى "التوافق حول خطوات إنجاح هذه الانتخابات".[15]

وإذا كانت الفصائل الفلسطينية قد تعاطت مع دعوة الرئيس عبّاس بمنطق القبول المبدئي، الحذر والمشروط، إذ دعت إمّا إلى توافق مسبق، أو إلى انتخابات تشريعية ورئاسية متزامنة[16]، فإنّ الشارع الفلسطيني هذه المرّة، بما في ذلك صداه على مواقع التواصل الاجتماعي، لم يتفاعل مع مبادرة الفصائل، ولا مع دعوة الرئيس، فبدت مبادرة الفصائل باهتة من حيث وقعها لدى الجمهور الفلسطيني، بينما من شأن الدعوة إلى انتخابات أن تأخذ وقتها لفحص جدّيتها، وهو ما يعني أنّ الجمهور الفلسطيني، وبعد هذا المسار الطويل من الانقسام، لا ينظر بجدّية بعد إلى الفكرتين، وهو ما يعكس حجم الإحباط، وتراجع الاهتمام السياسي، وذلك بفعل اليأس من وجود إرادة حقيقية لإنهاء الانقسام، وبناء مسار سياسي موحد، وذي معنى مُلهِم للفلسطينيين.

 

 

المصالحة والانتخابات بين المناورة والجدّية

تضمّنت مبادرة الفصائل الفلسطينية أربعة بنود رئيسة، أولها التأكيد على مرجعية اتفاقيات المصالحة السابقة، ثم عقد اجتماع لجنة تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية في القاهرة، في شهر تشرين أول/ أكتوبر 2019 بحضور الرئيس عبّاس؛ للاتفاق على استراتيجية وطنية نضالية مشتركة، وعلى تشكيل حكومة وحدة وطنية انتقالية، والرقابة على عملها وفق القانون، إلى حين إجراء الانتخابات الشاملة. وثالثها اعتبار المرحلة الممتدة بين أكتوبر/ تشرين أول 2019 ويوليو/ تموز 2020، مرحلة انتقالية لتحقيق الوحدة الوطنية، وإنهاء الانقسام. وأخيرًا، إجراء انتخابات شاملة، تشريعية ورئاسية ومجلس وطني، في منتصف عام 2020.[17]

من الواضح أن دعوة الرئيس عبّاس تتجاوز مبادرة الفصائل، والتي تدعو إلى اتفاق أوّلي ينهي الانقسام، ثم ينتهي بانتخابات شاملة. فمن جهة، جاءت دعوة الرئيس من طرف واحد، دون الردّ على مبادرة الفصائل، ودون الإجابة على سؤال كيفية إجراء انتخابات، ودون اتفاق على قوانينها، وظروف إجرائها، وضمان عدم تكرار تجربة عام 2006. ومن جهة أخرى، ترك مصطلح "الانتخابات العامة" في دعوة الرئيس، نوعًا من الضبابية حول طبيعة الانتخابات التي سيعلن عنها، وإن كان ما صدر لاحقا عن جهات في حركة فتح والسلطة الفلسطينية، يرجح أن النية هي إجراء انتخابات تشريعية في المرحلة الأولى، ثم رئاسية في مرحلة لاحقة، دون توفّر ضمانات لإجراء انتخابات رئاسية، ودون أي حديث عن انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني.

وباستثناء ما قاله في تكليفه لرئيس لجنة الانتخابات المركزية حنا ناصر، باستئناف الاتصالات فورًا مع القوى والفعاليات والفصائل والجهات المعنية كافة؛ من أجل التحضير لإجراء انتخابات تشريعية، على أن يتبعها بعد بضعة أشهر انتخابات رئاسية[18]، فإنّ الرئيس عبّاس، استخدم عباراتٍ غامضة، وهي وصف الانتخابات بالعامّة، سواء في خطابه في الأمم المتحدة[19]، أو في اجتماعاته الداخلية مع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير[20]، وما يُعرف بالقيادة الفلسطينية[21]، إذ استخدم تعبير الانتخابات العامّة دون تفصيل، وهو التعبير نفسه الذي استخدمه رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية.[22]

وإذا جاز استخدام صيغة تكليف الرئيس عبّاس لرئيس لجنة الانتخابات المركزيّة، لتفسير قصده بالانتخابات العامّة، فإنّ الأمر في أوسع أحواله يشمل الانتخابات الرئاسية بعد التشريعية، ولكن دون وجود ضمانات لإجرائها فعلًا. وهو ما يعني أنّ هذه الانتخابات، سواء كانت الدعوة إليها مناورة، أو تم إجراؤها بالفعل، تندرج في جانب أساسيّ منها، في مسار هندسة مؤسسات السلطة ومنظمة التحرير من طرف واحد، استجابة لاحتياجات الفريق المسيطر على السلطة والمنظمة، والتي ارتبط جزء منها بالانتخابات الإسرائيلية، والرهان على تغيير المشهد الإسرائيلي. وكذلك قد يتخذ هذا الترتيب معنى معالجة الهواجس الفتحاوية، الخاصة بترتيب المشهد بعد الرئيس عبّاس، ولإخراج حماس من النظام السياسي الفلسطيني، أو تقليص دورها إلى حدود تحرمها من التأثير في مسار هذا النظام وخياراته، لا سيما أنّ حركة فتح هي التي ستشرف على إجراء هذه الانتخابات.

وحسب تصريحات الرئيس عبّاس، فقد شُكّلت لجنتان من تنفيذية المنظمة ومركزية فتح، لمتابعة ملف الانتخابات مع الجهات المعنية[23]. وبما أن تنفيذية منظمة التحرير الحاليّة، شُكّلت في ظروف انقسامية حتى داخل بيت منظمة التحرير نفسه، وبما أن حركة فتح، التي سوف "تتابع" ملف الانتخابات، تمثل القطبَ الآخر في الانقسام الفلسطيني، فإن من شأن هذا الأمر أن يثير مخاوف بقية الأطراف والفاعلين في الساحة الفلسطينية، لا سيما حركة حماس.

كما أن دعوة الرئيس عبّاس لإجراء انتخابات تشريعية، تنفصل في الواقع عمّا وافقت عليه حماس، التي اشترطت الشمول في هذه الانتخابات، وهو ما اعتبرته أوساط في حركة فتح غموضًا من حركة حماس[24]. كما أنّ دعوة الرئيس تخالف اتفاقيات المصالحة المبرمة كلّها، ومبادرة الفصائل، والمواقف المعلنة للفصائل، والتي تدعو إلى التوافق المسبق على الانتخابات، شكلًا ومضمونًا وإجراءات، وعلى الشمولية التي تتضمن انتخابات المجلس التشريعي، ورئاسة السلطة، والمجلس الوطني الفلسطيني. ومن ثم، وبالنظر إلى هذه الاعتبارات، أي التفرد في قرار الانتخابات وتنفيذها، وقصر الانتخابات على التشريعي، يجعل الادعاء بأنّها تهدف إلى إنهاء الانقسام، أمرًا صعبًا، خاصة في ظل وجود حكومة غير توافقية، وتُعتبر محل رفض من قبل عدد معتبر من الفصائل الأساسية في المشهد الفلسطيني، وحتى من داخل منظمة التحرير الفلسطينية.

وفي مقابل التركيز على الاعتبارات الداخلية، سواء تلك المتعلقة بترتيبات فتح واستقطاباتها الداخلية، والترتيب لما بعد عبّاس، أو الرغبة في تعبئة الفراغ السياسي الناجم عن مراوحة مشروع السلطة في مكانه، أو تلك الرامية إلى إخراج حماس من النظام السياسي، وطيّ صفحة المصالحة نهائيًّا، هناك من يعتقد أن إجراء الانتخابات التشريعية، يأتي استجابة لمقترحات أوروبية تشترط وجود برلمان فلسطيني، وشرعية سياسية متجددة، وذلك لتسهيل اعتراف الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية[25]. وربما يأتي ذلك كجزء من سعي السلطة لحيازة شرعية انتخابية، ستحتاجها في إطار استعدادها للتفاوض مع أي خليفة محتمل لبنيامين نتنياهو، أو حتى لمواجهة محاولات الأخير لتجاوزها، وتقليص دورها.

بعد هذا العرض، يتضح أن المعطيات السابقة بشأن مبادرة الفصائل، أو الدعوة للانتخابات، إلى جانب سلوك السلطة الفلسطينية خلال الشهور الماضية، تفرز مجموعة من السيناريوهات والخيارات المحتمل انتهاجها من قبل قيادة السلطة الفلسطينية، والتي لا تخضع لإرادة هذا الفريق فحسب، بل تتداخل فيها عوامل مركبة، تؤثر على إرادة عدة أطراف ذات صلة بالمشهد الفلسطيني، وسلوكها. ومن هذه السيناريوهات والخيارات:

- هناك احتمال حقيقي للتوافق الداخلي الفلسطيني على إجراء انتخابات، سواء بمبادرة من قبل الفصائل نفسها، أو بوساطة عربية. فإذا تأكدت السلطة من وجود مصلحة حقيقية لها في إجراء الانتخابات،  فقد تستعد لتقديم ما يلزم للوصول لتفاهم مع الفصائل على إجرائها، وهو احتمال تدعمه المؤشرات عن سعي السلطة لاستعادة دور سياسي لها، ورهانها على إمكانية طرح أفكارٍ وآلياتٍ جديدة لإحياء مسار التسوية والمفاوضات، وحاجتها لشرعية انتخابية تكسبها وزنًا كافيًا أمام اللاعبين الدوليين والإقليميين المعنيين بهذا الملف. وقد تركز أداء حكومة محمد اشتية منذ بداية عملها، على السياسات الدعائية، الرامية لحشد تأييد جماهيري لمشروع السلطة وحركة فتح، مما أعطى إشارات بوجود تحضيرات لمنافسة انتخابية محتملة، تعيش السلطة وحركة فتح أجواءها. وفي هذا الاتجاه، قد تلعب إرادة أطراف إقليمية، مثل مصر والسعودية، التي يقوم الرئيس الفلسطيني بزيارتها خلال هذه الأيام، دورًا في تيسير التوافقات والظروف اللازمة لإجراء الانتخابات، خاصة أن ملف الانتخابات مطروح على جدول أعمال هذه الزيارة، إلى جانب بند حول مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط.[26]

- على غرار الموقف الخاص بانعقاد دورة المجلس الوطني الفلسطيني، قد تصر قيادة السلطة على إجراء الانتخابات دون توافق وطني، رغم أن هذا المسار سيخلق مزيدًا من التفسخ في النظام السياسي الفلسطيني، وسيعرّض هذه الانتخابات ونتائجها، للطعن والتشكيك داخليًا وخارجيًا، وهو ما يعني أن ذروة ما ستجنيه حركة فتح وقيادة السلطة من إجراء الانتخابات، هو ضمان إقصاء خصومها من النظام السياسي الفلسطيني، وتعزيز معارضة هؤلاء الخصوم لهذا النظام برمته. وفي حال كانت دعوة الرئيس عبّاس جدّية هذه المرة، كما يرى مراقبون[27]، ودفع نحو تنفيذها، ولم تشارك فيها حماس، وحالت دون إجرائها في قطاع غزّة، أو أُجريت وفق أدوات غير مباشرة، كالتصويت الإلكتروني، فإنّ ذلك بالضرورة سيفتح الباب إمّا لاعتبار غزّة إقليمًا متمردًا، وهي فكرة لم تزل تردّدها أوساط في فتح منذ مطلع الانقسام وحتى هذا العام[28]، أو لدفع غزّة نحو الانفصال الفعلي في كيانية خاصّة، وهو الأمر الذي دائمًا، وللمفارقة، حذّرت منه قيادة السلطة.

- قد تسعى السلطة لاستثمار قرار إجراء الانتخابات كورقة ضغط على حركة حماس، وبقية منافسيها السياسيين في المشهد الفلسطيني، لانتزاع تنازلات خاصة بصيغة جزئية للمصالحة، وفقا لشروط قيادة السلطة وحركة فتح، أو تنازلات تتعلق بالموقف السياسي العام، وهو ما يبدو كسيناريو مطروح إذا لم تتوفر رغبة من الأطراف العربية، وخاصة مصر، لدعم إجراء الانتخابات.

 

 

خلاصة

أيًّا كان الأمر، فإنّ إجراء الانتخابات، كمخرج من أزمة الانقسام بالاحتكام إلى الشعب، وحتّى لو اقتصرت على التشريعي، يحتاج أولًا إلى الاتفاق على الطرح، والاتفاق ثانيًّا على جملة من المحددات الإجرائية والقانونية، وحتّى السياسية، وهو ما سوف يعيد الجميع إلى أطروحة المصالحة، ولو في حدود معيّنة من التفاهمات المتعلقة بالانتخابات، مما يعني وجود ارتباط لا يمكن الفكاك منه بين ملفي المصالحة والانتخابات.

وبينما تقول حركة فتح إنّ الانتخابات هي وسيلة لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة[29]، فإنّ إجراء الانتخابات بالضرورة يتطلب قدرًا مسبقًا من التفاهمات، ولو في حدود الاتفاق على ماهية الانتخابات، وإجراءاتها، وسبل تأمين الظروف الملائمة لإجرائها، وهو ما لا تُظهر حركة فتح جهودًا لإنجاحه.

 الأمر الأكثر إشكالية يكمن في الحديث عن انتخابات تشريعية فحسب، ودون توافق وطني، كونها تندرج في إطار سياسات تسيير السلطة، ولا يشمل أي تغيير حقيقي في بنيتها، أو سياساتها، ولا يسمح للجمهور بمشاركة حقيقية في تحديد المسار السياسي، وإنما يخدم النخبة المستفيدة منها، ويجعل من السلطة هدفًا بحدّ ذاته، ودون الأفق السياسي الذي وعدت به منظّمة التحرير. لذلك، فإنّ جزءًا أساسيًّا من السلوك السياسي لنخبة السلطة وقيادة فتح، وخطابها، يهدف إلى ضمان ترتيبات إدارة السلطة في حدود هذه النخبة، بما يضمن بقاء السلطة ضمن الشرط القائم. وفي هذا الصدد، يأتي تراجع السلطة عن قرارها بالامتناع عن استلام أموال "المقاصةّ" منقوصة، في حين تتعمق الفجوة بينها وبين منافسها الوطني، وهو أمر يُلحَظ فيه دور الاحتلال بالضرورة.[30]

هناك عوامل غموض كثيرة لمستقبل المشهد الداخلي الفلسطيني، أبرزها عدم الوضوح في دعوة الرئيس عبّاس الأخيرة، وامتناع قيادة فتح عن الردّ رسميًّا على مبادرة الفصائل، بالرغم من رفضها فعليًّا، وعلى لسان عدد من قياداتها. هذا إضافة إلى احتمال منع الاحتلال إجراء الانتخابات في القدس، لا سيما في ظلّ الجنوح السياسي والاجتماعي في "إسرائيل" نحو اليمين، وافتقاد المؤسسة السياسية الإسرائيلية للاستقرار.

وبالرغم مما يُشار إليه حول عدم جدّية الرئيس عباس، واستخدامه موضوع الانتخابات للمناورة الخارجية والداخلية، وإشغال الساحة بموضوع سياسي، وجذب اهتمام الأوساط الدولية[31]، فإنّ المخاوف من الدفع نحو هذه الفكرة دون توافق وطني، وبما يعمّق الانقسام، تظلّ قائمة.

وبينما لا تملك الفصائل الأخرى فرض مصالحة على طرفي الانقسام، إلا أنّها قد تتجه لاتخاذ موقف رافض لأي إجراءات تفتقر للتوافق الوطني، أو تسهم في تعزيز الانقسام، لا سيما مع المآلات الخطرة التي قد تُفضي إليها انتخابات منقوصة وجزئية، ومشوبة بالتدخلات الإسرائيلية والدولية والإقليمية.

إذن، لا يُتوقع من مبادرة الفصائل، ولا من الانتخابات، تحقيق المصالحة والخروج من الانقسام. فمبادرة الفصائل، وإن كانت مفيدة في الخروج من جدل الممتنع عن إنجاز المصالحة، فإنّها في مضمونها تعيد ما سبق تجريبه من قبل، وفشل. كما أن طرح الانتخابات، يأتي خارج إطار التوافق، وبالتالي بعيدًا عن المصالحة، الأمر الذي يعكس جذور الانقسام القائمة على البرامج واختلاف السياسات، وتكريس سلطتين ببرنامجين مختلفين، وفي بيئتين متباينتين، وبمصالح متضاربة[32]. وبينما شكّلت إعلانات الرئيس عبّاس عن وقف العمل بالاتفاقيات مع "إسرائيل"، فرصة لإعادة الاتفاق على ضوء برنامج وطني يستند إلى وحدة وطنية لمواجهة تحديات تصفية القضية الفلسطينية، إلا أنّ تلك الإعلانات لم يُنفذ منها شيء، وظلّت اللجان المشتركة بن الاحتلال والسلطة، تعمل بلا انقطاع.

 
[1] الرئيس مخاطبا الأمم المتحدة: الاحتلال لا يمكن أن يأتي بالسلام أو يحقق الأمن والاستقرار لأحد، موقع وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية/ وفا، 26 أيلول/ سبتمبر 2019، http://wafa.ps/ar_page.aspx?id=ibBe4ua862633704339aibBe4u
[2] ثمانية فصائل فلسطينية تطرح مبادرة لإنهاء الانقسام بين فتح وحماس، موقع الجزيرة نت، 23 أيلول/ سبتمبر 2019، https://www.aljazeera.net/news/politics/2019/9/23/
[3] بيان صحفي حول موقف الحركة من الرؤية الوطنية لتحقيق الوحدة، موقع حركة حماس، 26 أيلول/ سبتمبر 2019، https://hamas.ps/ar/post/11050/
[4] بعد إعلان حماس موقفها من مبادرة الفصائل.. فتح تصفها بورقة مجاملات، موقع الجزيرة نت، 26 أيلول/ سبتمبر 2019، https://www.aljazeera.net/news/politics/2019/9/26/
[5] الفصائل تتحدث عن الانتخابات وتنتظر "ردّ فتح الرسمي" حول المباردة، موقع شبكة قدس، 7 تشرين أول/ أكتوبر 2019، https://qudsn.co/post/169718
[6] فتح ترفض ورقة الفصائل، موقع وكالة فلسطين 24 الإخبارية، 30 أيلول/ سبتمبر 2019، https://www.pal24.net/news/141042.html
[7] المصدر السابق.
[8] المجلس المركزي وتجديد منظمة التحرير.. جدلية الانقسام والمواجهة، موقع مركز رؤية للتنمية السياسية، 9 كانون أول/ ديسمبر 2018، http://www.vision-pd.org/AR/Articles/Central_Council_and_the_renewal_of_the_PLO
[9] انظر نص اتفاقية المصالحة لعام 2011:
تفاصيل اتفاق المصالحة وما تضمنه من تفاهمات، موقع وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية/ وفا، 6 أيار/ مايو 2011، http://www.wafa.ps/ar_page.aspx?id=YwzbN0a575428912047aYwzbN0
[10] قرار حلّ المجلس التشريعي.. جدل السياسي والقانوني، موقع مركز رؤية للتنمية السياسية، 9 كانون ثاني/ يناير 2019 http://www.vision-pd.org/AR/Articles/Decision_to_dissolve_the_Legislative_Council_Political_and_legal_controversy
[11] انظر عن تشكيل حكومة توافق وطني في نصّ اتفاق الشاطئ:
بيان صادر عن لقاء وفد منظمة التحرير الفلسطينية، مع حركة حماس لإنهاء الانقسام وتنفيذ اتفاق المصالحة الوطنية 23/4/2014، وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية/ وفا، 23 نيسان/ إبريل 2014، http://info.wafa.ps/ar_page.aspx?id=9281
[12] "وفا" تنشر نص قرار المحكمة الدستورية بشأن حل التشريعي وإجراء الانتخابات، وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية/ وفا، 24 كانون أول/ ديسمبر 2018، http://www.wafa.ps/ar_page.aspx?id=2cP5dxa844831164474a2cP5dx
[13] الرئيس يكلف محمد اشتية بتشكيل حكومة جديدة، وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية/ وفا، 10 آذار/ مارس 2019، http://www.wafa.ps/ar_page.aspx?id=B7f8Qga851049918576aB7f8Qg
[14] انظر مثلاً في عام 2011: الرئيس: لا بد من الاحتكام لصندوق الاقتراع وسنحترم النتيجة مهما كانت، وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية/ وفا، 8 نيسان/ إبريل 2011، http://www.wafa.ps/ar_page.aspx?id=q4teq0a573535875330aq4teq0
[15] بيان صحفي تعقيبا على خطاب عباس بالأمم المتحدة، موقع حركة حماس، 26 أيلول/ سبتمبر 2019، https://hamas.ps/ar/post/11057/
[16] بعد دعوة عباس.. فصائل فلسطينية تعلن موقفها الرسمي من إجراء الانتخابات، موقع أمد، 9 تشرين أول/ أكتوبر 2019، https://www.amad.ps/ar/post/317510
[17] ثمانية فصائل فلسطينية تطرح مبادرة لإنهاء الانقسام بين فتح وحماس، موقع الجزيرة نت، مصدر سابق.
[18] الرئيس يكلف رئيس لجنة الانتخابات ببدء التحضير لإجرائها، وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية/ وفا، 7 تشرين أول/ أكتوبر 2019، http://wafa.ps/ar_page.aspx?id=bWxG1ha863136229923abWxG1h
[19] الرئيس مخاطبا الأمم المتحدة: الاحتلال لا يمكن أن يأتي بالسلام أو يحقق الأمن والاستقرار لأحد، موقع وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية/ وفا، مصدر سابق.
[20] الرئيس في مستهل اجتماع التنفيذية: موعد إجراء الانتخابات تأخر كثيرا وسنحاول ذلك إلى أن ننجح، موقع وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية/ وفا، 3 تشرين أول/ أكتوبر 2019، http://wafa.ps/ar_page.aspx?id=bWxG1ha862967769642abWxG1h
[21] الرئيس في مستهل اجتماع القيادة: مصرون تماما على إجراء الانتخابات وموقفنا من رواتب الشهداء والأسرى ثابت ولن يتغير، موقع وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية/ وفا، 6 تشرين أول/ أكتوبر 2019، http://wafa.ps/ar_page.aspx?id=bWxG1ha863082931755abWxG1h
[22] اشتية: أزمة المقاصة لم تحل وملتزمون برواتب الشهداء والأسرى، موقع وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية/ وفا، 7 تشرين أول/ أكتوبر 2019، http://wafa.ps/ar_page.aspx?id=31urdta863129567652a31urdt
[23] الرئيس في مستهل اجتماع القيادة: مصرون تماما على إجراء الانتخابات وموقفنا من رواتب الشهداء والأسرى ثابت ولن يتغير، موقع وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية/ وفا، مصدر سابق.
[24] "انتخابات عباس" هل تحول الانقسام الفلسطيني إلى انفصال؟، موقع الجزيرة نت، 28 أيلول/ سبتمبر 2019، https://www.aljazeera.net/news/politics/2019/9/28/
[25] بشارة بحبح، خلافة عباس والانتخابات المعلنة حديثًا، موقع أمد، 7 تشرين أول/ أكتوبر 2019، https://www.amad.ps/ar/post/317165
[27] "انتخابات عباس" هل تحول الانقسام الفلسطيني إلى انفصال؟، موقع الجزيرة نت، 28 أيلول/ سبتمبر 2019، مصدر سابق.
[28] الأحمد يدعو لإعلان غزة إقليما متمردا، موقع وكالة سما الإخبارية، 31 كانون ثاني/ يناير 2019، https://samanews.ps/ar/post/363919/
[29] العالول يكشف قرارات اجتماع القيادة الفلسطينية بشأن الانتخابات، موقع إعلام فتح/ مفوضية الإعلام والثقافة والتعبئة الفكرية، 7 تشرين أول/ أكتوبر 2019، https://www.fatehmedia.ps/page-76620.html
[30] مسؤول فلسطيني: اتفاق مع إسرائيل على تسلم دفعة من أموال المقاصة، موقع وكالة الأناضول التركية بالعربي، 4 تشرين أول/ أكتوبر 2019، https://www.aa.com.tr/ar/1602442
[31] حسام الدجني، ​دعوة عباس للانتخابات: قبول للمبادرة أم هروب منها؟، موقع صحيفة فلسطين، 2 تشرين أول/ أكتوبر 2019، https://felesteen.ps/article/dwt-bas-llantkhabat-qbwl-llmbadrt-am-hrwb-mnha
[32] منير شفيق، بيان الفصائل الثمانية والمصالحة، موقع عربي21، 27 أيلول/ سبتمبر 2019، https://arabi21.com/story/1211094