Logo

قرار وقف العمل بالاتفاقيات مع الاحتلال الإسرائيلي تكتيك مرحلي أم تغيير للمسار؟

08/23/2019 مركز رؤية للتنمية السياسسية

قرار وقف العمل بالاتفاقيات مع الاحتلال الإسرائيلي

 تكتيك مرحلي أم تغيير للمسار؟

أعلن الرئيس الفلسطيني محمود عباس مساء الخميس 25/7/2019، وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال الإسرائيلي، وأضاف أنّ القيادة قررت وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، وتشكيل لجنة لتنفيذ هذا القرار، وذلك عملًا بتوصيات و قرارات سابقة أصدرها المجلسين الوطني والمركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وقد جاء ذلك عقب اجتماع أُعلن عنه في وقت سابق للقيادة الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس، ضمَّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، واللجنة المركزية لحركة فتح، وذلك في مقر المقاطعة بمدينة رام الله.

وقال الرئيس عباس في كلمة متلفزة: "أيدينا كانت، وما زالت، ممدودة للسلام العادل والشامل والدائم، لكن هذا لا يعني أننا نقبل بالوضع القائم، أو الاستسلام لإجراءات الاحتلال، ولن نستسلم، ولن نتعايش مع الاحتلال، كما لن نتساوق مع صفقة القرن، ففلسطين والقدس ليست للبيع والمقايضة، وليست صفقة عقارية في شركة عقارات".[1]

جاء هذا القرار عقب قيام قوات الاحتلال صباح يوم الإثنين 22/7/2019، بهدم عشرات الشقق السكنية، لعائلات فلسطينية تسكن في منطقة وادي الحمص، في بلدة صور باهر، بمدينة القدس المحتلة، حيث أقدمت قوات الاحتلال على هدم 16 بناية تضم حوالي 100 شقة سكنية، علمًا أنَّ البنايات تقع في منطقة مصنفة "أ"، أي يفترض أن تكون خاضعة للسلطة الفلسطينية حسب الاتفاقيات الموقعة، كما أنَّها حاصلة على تراخيص من وزارة الحكم المحلي الفلسطينية، إلا أنَّ سلطات الاحتلال تصرُّ على هدمها، بحجة قربها من الجدار الأمني المقام على أراضي المواطنين في المنطقة.[2]

ومع إعلان الرئيس عباس وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال الإسرائيلي، باتت تُطرَح وبقوة، مجموعة من التساؤلات حول قدرة السلطة فعلياً على وقف العمل بهذه الاتفاقيات، ومدى جديتها بهذا الأمر، وما هي الاتفاقيات المقصودة، وكيف يمكن للرئيس الفلسطيني، وقيادة السلطة، اتخاذ خطواتٍ عملية، والسير باتجاه الضغط على الاحتلال الإسرائيلي؛ لوقف إجراءات فرض الأمر الواقع على الأرض، التي يمارسها بشكل تدريجي منذ سنوات طويلة.

على خطى قرارات سابقة

لم يكن القرار المعلن عن وقف العمل بالاتفاقيات مع الاحتلال الإسرائيلي ابن لحظته، فهو جزء من محاولة السلطة للضغط على الاحتلال والدول الراعية لعملية التسوية المعطلة، والتي يمكن فهمها كجزء من تكتيك اتبعته السلطة منذ السنوات الأخيرة للإدارة الأمريكية السابقة، حيث عملت على تطوير مجموعة من أوراق الضغط ذات الصلة، شملت مسار لانضمام فلسطين للمنظمات والاتفاقيات الدولية، و مسار آخر بقي معطلًا يتعلق بملاحقة الاحتلال قانونيًا في الحيز الدولي،  بجانب مسار إعادة تحديد العلاقة مع الاحتلال بما يشمل وقف العمل بالاتفاقيات مع الاحتلال.

كذلك لم يكن الخطاب بمثابة قلب للطاولة، حيث أكد الرئيس في خطابه على تمسكه بمسار التسوية، وعلى أنَّ يد السلطة ما زالت ممدودة للسلام، ثم أحيل القرار للجنة خاصة لدراسة سبل تنفيذه، وهو ما يظهر عدم استعجال السلطة الذهاب بالقرار لحيز التنفيذ الفعلي رغم إلحاح مؤسسات منظمة التحرير وفصائلها على السلطة بضرورة تنفيذ هذا القرار، فالمجلس المركزي لمنظمة التحرير على سبيل المثال، كان قد قرر في نهاية تشرين أول/ أكتوبر 2018، إنهاء التزامات منظمة التحرير والسلطة الوطنية، تجاه اتفاقياتهما مع سلطة الاحتلال.

 وجاء في البيان الختامي الذي أصدره المجلس المركزي حينها، أن يتولى الرئيس محمود عباس، وأعضاء اللجنة التنفيذية، الاستمرار في تنفيذ كافة قرارات المجلسين الوطني والمركزي، واتخاذ الخطوات العملية وفق الأولويات المناسبة، وبما يعزز صمود الشعب الفلسطيني، ويحافظ على مصالحه الوطنية العليا.[3]

 ومع صدور مثل هذه القرارات في كل مرة، كانت الخطوة التالية للقيادة الفلسطينية، تتمثل بتشكيل لجنة لدراسة آلية تنفيذ هذه القرارات، الأمر الذي يدفع المراقب إلى الشعور بأنَّ هذا القرار في طريقه إلى الأرشيف.

والاتفاقيات المقصودة بإعلان الرئيس عباس، هي ثماني اتفاقيات، كما صرح بذلك أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، صائب عريقات، وهي اتفاق أوسلو عام 1993م، واتفاق غزة أريحا عام 1994م، واتفاق باريس الاقتصادي عام 1994م، والاتفاق الانتقالي عام 1995م، واتفاق الخليل عام 1997م، واتفاق واي ريفر عام 1998م، واتفاق شرم الشيخ عام 1999م، واتفاق المرور والحركة عام 2005م.[4]

وحسب د. عريقات، فإنَّ هذه الاتفاقيات الثمانية، تشمل 189 استحقاقًا على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، لكن الجانب الإسرائيلي لم يلتزم بها، خاصة اتفاق 1995 الذي يشكل نقطة ارتكاز للعلاقة التعاقدية بين التحرير الفلسطينية و "إسرائيل"، حيث نصت المادة رقم (10) بند "أ" منه، على بسط السيادة الفلسطينية على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، باستثناء قضايا الحل النهائي، خلال 18 شهرًا، وحلّ الإدارة المدنية الإسرائيلية، وسحب الحكومة العسكرية لتحلَّ محلها السلطة الفلسطينية، حتى لا تكون هناك سلطتان في مكان واحد.[5]

ردود الفعل الدولية والمحلية

يبدو واضحًا الفتور الذي لاقاه خطاب الرئيس عباس على الصعيد الدولي، كما هو الحال على الصعيد الإسرائيلي، فعلى الرغم من حجم هذا القرار "الكبير والمصيري"، وتبعاته المفترضة على المنطقة، إن تمَّ تطبيقه عمليًا، إلا أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية الراعي الأساسي لهذه الاتفاقيات، لم تعلق سوى بتصريح مقتضب لمتحدث باسم الخارجية الأميركية، قال فيه: إنَّ واشنطن ستواصل العمل من أجل سلام شامل ودائم بين "إسرائيل" والفلسطينيين، يحقق مستقبلا أفضل للجميع، وأعرب عن أمله بأن تنخرط السلطة الفلسطينية بشكلٍ بناء في العملية السياسية، بدلًا من الاستمرار في "إصدار إشارات غير بناءة"، حسب تعبيره.[6]

أما دوائر صنع القرار الرسمية في "إسرائيل"، فلم تصدر أي تعليق حتى كتابة هذا التقرير، وهذا بحد ذاته يشير إلى مدى عدم اكتراث الاحتلال بهذا القرار أصلًا، علمًا أنَّ بعض الصحفيين الإسرائيليين، نشروا تعليقاتٍ حول الأمر، فقد اعتبر المراسل الصحفي في صحيفة يديعوت أحرونوت، أليؤر ليفي، أنَّ إعلان الرئيس الفلسطيني وقف كافة الاتفاقيات مع "إسرائيل"، لم يكن الأول من نوعه، إذ كانت السلطة الفلسطينية قد اتخذت قراراتٍ مشابهة خلال الأعوام الماضية، ولكن جميعها ما زالت على الورق، ولم تنفذ، وقال: إنَّه نقل عن مسؤولين فلسطينيين تقديراتهم، أنَّ هذه المرة ستكون مشابهة للمرات السابقة، وأنَّه لن يكون هناك أي تغيير حقيقي في العلاقة بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل".[6]

وقالت صحيفة هآرتس، إنَّ إعلان الرئيس عباس وقف العمل بالاتفاقيات مع "إسرائيل"، يبدو دراماتيكيًا، وأشارت إلى أنَّ مثل هذه القرارات، قد اتخذت منذ عام 2015، وبالتالي فإن مسألة التنفيذ هي الأمر المهم، كما أضافت الصحيفة أنَّ الرئيس عباس سيغادر، وقد غادر بالفعل، إلى تونس؛ لحضور جنازة الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، الأمر الذي يتطلب التنسيق مع "إسرائيل".[7]

وفي ذات السياق، قال موقع واللا العبري: إنَّ الرئيس عباس أعلن عن وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع "إسرائيل"، إلا أنَّ هذا التهديد سمعناه 70 ألف مرة قبل ذلك، وأضاف الموقع أنَّ الأمر يبدو مثل بيان فارغ.[8]

أمّا على صعيد ردود الفعل الداخلية، فقد قدمت الفصائل الفلسطينية والشخصيات الفاعلة، ترحيبًا حذر بهذا القرار، حضر فيه التشكيك بجدية الرئيس عباس وقيادة السلطة، بالذهاب نحو هذا الاتجاه، الذي يتطلب تغييرًا حقيقيًا في استراتيجيات العمل لدى السلطة، وقد ربط الجميع ترحيبهم بالقرار، في حال أخذ طريقه للتنفيذ.

فمن جهتها، اعتبرت حركة حماس قرار وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع "إسرائيل"، خطوة في الاتجاه الصحيح، وقالت الحركة في بيان لها: إنَّ القرار يتوازى مع متطلبات المرحلة الصعبة التي تمر بها القضية الفلسطينية، وإنَّه تصحيح لمسارات خاطئة طالما حرفت المسار السياسي الفلسطيني، وأوصلت القضية الفلسطينية إلى هذه المرحلة الصعبة، وأضافت أنَّ ما يتطلع إليه شعبنا، هو إجراءات عملية حقيقية عاجلة، تترجم هذه القرارات إلى أفعال، وفي إطار برنامج عملي.[9]

أمّا حركة الجهاد الاسلامي، فقد قالت على لسان عضو مكتبها السياسي، خالد البطش: إنَّ هذا القرار هو خطوة في الاتجاه الصحيح، ولكنها تحتاج إلى تطبيق على أرض الواقع، وأضاف البطش أنَّها خطوة متأخرة، وبحاجة إلى استكمال لسحب الاعتراف بـ "إسرائيل"، وطالب الرئيس والقيادة الفلسطينية بإلغاء كافة الاتفاقات التي وقعت مع الاحتلال.[10]

في حين أنَّ الجبهة الشعبية، الفصيل الثاني في منظمة التحرير الفلسطينية، قالت على لسان القيادي ماهر مزهر: إنَّ خطاب الرئيس محمود عباس بحاجة إلى خطواتٍ عملية، وإجراءاتٍ على الأرض، وأضاف أننا لسنا بحاجة إلى شعاراتٍ وخطاباتٍ رنانة.

وحدد مزهر نقاطًا تستوجب التنفيذ من قبل الرئيس عباس، إذا كان جادًا في وقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال الإسرائيلي، منها وقف التنسيق الأمني وبشكل عاجل، وإطلاق يد المقاومة، وضرورة دعوة الإطار القيادي لاجتماع عاجل؛ لصوغ استراتيجية وطنية لمواجهة المشروع الصهيوني، ورفع الإجراءات العقابية عن غزة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، بناءً على اتفاقيات المصالحة الموقعة، تعمل على تنظيم انتخابات عامة.[11]

 

حيز القرار ومساحة تأثيره المحتمل:

 قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لم تحدد بالضبط الاتفاقيات التي ستوقف العمل بها، وهل هو وقف شامل، أم لبعض الاتفاقيات والبرتوكولات؟ كما لم تحدد طبيعة هذا الوقف ومساره الزمني. و يدرك المتابع والمتفحص للاتفاقيات المذكورة، والمقصودة من قرار القيادة الفلسطينية، أن هناك شقين يمكن تناولهما، اتفاقيات اقتصادية، وأخرى أمنية.

يُقصد بالاتفاقيات الاقتصادية، اتفاق باريس الاقتصادي لعام 1994م، الذي أبقى على نظام الاتحاد الجمركي بين الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي، في ظل غياب الحدود الاقتصادية بين الطرفين، وحوّل العلاقات الاقتصادية التي كانت قائمة قبل توقيع اتفاق أوسلو، من حالة أمر واقع، إلى حالة تعاقدية متفق عليها بين الطرفين.

ويرى الخبراء الاقتصاديون أنَّ هذا الاتفاق، لا يمكن أن يحقق النمو الاقتصادي الفلسطيني[12]، لأن أغلب بنود الاتفاق تربط أي تطور، أو زيادة في الوارد والصادر والكميات وغيرها، وبشكل أساسي، بفعالية اللجنة المشتركة "jec"، ودورية لقاءاتها، غير أنَّ هذه اللجنة توقفت عن العمل كليًا منذ عام 1999م، وقد فشلت كل محاولات تفعيلها.

 كما يرى الخبراء أنَّ هذا البروتوكول، أو الاتفاق، أضفى الصفة الرسمية على اتحادٍ جمركي يفرض في نهاية الأمر، سياسة "إسرائيل" التجارية على الضفة الغربية وقطاع غزة، وبما أنَّ الناتج المحلي الفلسطيني، لا يشكل سوى 4.2% من  مجمل الناتج الإسرائيلي، فإنَّ هذا الاتحاد الجمركي المفترض، سيفقد التوازن بين الاقتصاديْن، وسترجح فيه كفة الاقتصاد الأقوى، وهو الإسرائيلي. [13]

ألغى بروتوكول باريس الاقتصادي سيادة السلطة الفلسطينية فعليًا على إيراداتها المالية، حيث نصَّ على أن تقوم "إسرائيل" نيابة عن السلطة الفلسطينية، بجباية الجمارك والضرائب على البضائع الواردة من الخارج، التي تشكل ثلثي صافي إيرادات موازنة السلطة، الأمر الذي مكّنها أكثر من مرة، من ممارسة الضغط على السلطة، ومحاولة مساومتها سياسيًا، وذلك عن طريق احتجاز هذه الأموال.[14]

بناءً على ذلك، فإنَّ وقف العمل بهذا الاتفاق، لن يغير شيئًا على أرض الواقع، ولن يشكل عامل ضغط على "إسرائيل"، لأنه يعني بشكل عام، إعادة الاقتصاد الفلسطيني من الحالة التعاقدية التي نشأت عن الاتفاق، إلى حالة الأمر الواقع التي كانت قبله، حتى أنَّ "إسرائيل" في الواقع، تجاوزت الأدوار الشكلية الموكلة للسلطة، والمفترَض أن تقوم بها في هذا الإطار.

وبذلك، وإذا ما انسحبت السلطة من هذا الاتفاق، فإنَّ "إسرائيل" لن يتغير عليها الكثير، وستقوم بنفس المهام التي تقوم بها حاليًا، ولكن دون وجود الحالة التعاقدية بين الطرفين، حيث لن يترتب عليها في هذه الحالة أي عبء إضافي، وإنما قد يزيد ذلك في تهميش السلطة، وإنهاء الدور الشكلي لها في هذا المجال.

وحتى لا يُفهم من هذا التحليل أنَّه دعوة للتمسك بالاتفاق، فإنَّه لا بد من التأكيد على أنَّ اتفاق باريس الاقتصادي، وبصيغته الحالية، يمنع أي نمو وتطور للاقتصاد الفلسطيني، وأنَّه اتفاق أبقى على الحالة الاقتصادية الفلسطينية مكبلة، كما كانت أصلًا تحت سيطرة الإدارة المدنية الإسرائيلية قبل الاتفاق.

 وبالتالي، فإنَّ بروتوكول باريس الاقتصادي بحاجة إلى مراجعة وإعادة صياغة، غير أن الانسحاب منه في ظل عدم قدرة السلطة حاليًا، على إيجاد صيغة أخرى تفرضها على أرض الواقع، لن يغير أي شيء، سوى إنهاء الحالة التعاقدية، وتهميش إضافي لدور السلطة، وإنَّ أي تعديل لهذا الاتفاق، لا يتم إلا بإحدى طريقتين، إما بالتوافق مع الجانب الإسرائيلي، أو بفرضه على أرض الواقع، وكلا الطريقتين غير متاحة للسلطة، فلا هي قادرة على تحقيق شيء بالمفاوضات، ولا هي تملك من الأدوات ما يمكّنها من فرض نظام جديد على أرض الواقع.  

أمَّا الاتفاقيات الأمنية، والمعروفة في الشارع الفلسطيني بالتنسيق الأمني، فهي مخرجات اتفاقية "واي ريفر"، التي نصت على إعادة الانتشار الإسرائيلي في بعض المناطق الفلسطينية، مقابل قيام السلطة الفلسطينية بترتيبات أمنية، من بينها إخراج المنظمات "الإرهابية" عن القانون، وتشكيل لجنة ثنائية فلسطينية إسرائيلية للتنسيق الأمني، وقد حدثت عدة تطورات قبل هذا الاتفاق، إذ اغتالت "إسرائيليحيى عياش، القيادي الكبير في ذراع حماس العسكرية، يوم 5 كانون ثاني/ يناير 1996م، فردت حماس بعدة عمليات في "إسرائيل"، عُقدت على إثرها قمة "صانعي السلام لمحاربة الإرهاب"، في شرم الشيخ، في 13 آذار/ مارس من العام نفسه، وفي 9 أيار/ مايو 1996م، تمَّ توقيع اتفاق مكمل لاتفاق سابق حول الخليل، والوجود الدولي المؤقت فيها، ولكن تجمدت العملية السلمية باستلام بنيامين نتنياهو الحكم في "إسرائيل"، يوم الأول من حزيران/ يونيو 1996م، ثم استؤنفت باتفاق حول إعادة الانتشار في الخليل، يوم 17 كانون ثاني/ يناير1997م، وأخيرًا، أرسى نتنياهو معادلة جديدة للمفاوضات، هي معادلة "الأمن مقابل السلام"، بدلًا من "الأرض مقابل السلام"، ليجيء بعد ذلك التوقيع على اتفاقية "واي ريفر" المذكورة.[15]

وبتوقيع هذه الاتفاقية، بات مطلوبًا من السلطة التزامات أمنية، ضمن ما يسمى بمحاربة الإرهاب، والمقصود هنا المقاومة الفلسطينية، وبذلك وقعت القيادة الفلسطينية بهذا الفخ، فبدلًا من أن يكون شعار "الأمن مقابل السلام" شعارًا فلسطينيًا، أصبح شعارًا إسرائيليًا، وبات مطلوبًا من السلطة توفير الأمن مقابل استمرار العملية السلمية.

 ثم ازدادت المطالب الإسرائيلية بهذا الاتجاه، وتهربت "إسرائيل" من تطبيق التزاماتها السياسية، حتى أصبح التنسيق الأمني مع الزمن، مطلبًا إسرائيليًا مفروضًا على السلطة الفلسطينية، حتى مع توقف العملية السياسية، والتزمت به السلطة دون أي تقدم سياسي أصلًا.

يقول نبيل عمرو، القيادي في حركة فتح، بهذا الخصوص: إنَّ الفلسطينيين الذين كبلتهم الطريقة الإسرائيلية في التعامل مع أوسلو، يملكون ورقة التنسيق الأمني، الذي سد خانة مهمة في المنظومة الأمنية الإسرائيلية، ورغم تقليل "إسرائيل" من أهمية هذه الورقة، والزعم بأنَّها تفيد الفلسطينيين أكثر مما تفيد الإسرائيليين، إلا أنَّ واقع الأمر يسجل حقيقة لا مجال لإنكارها، وهي أنَّ "إسرائيل" هي المستفيدة أكثر، وأنَّها من خلال عزل التنسيق الأمني عن التقدم السياسي، صبغت العلاقة معها بصبغة أمنية صرفة، وهذا أمر يضرب في الصميم، فرصَ تقدم الفلسطينيين نحو أهدافهم السياسية. وبالتالي، ستكون هذه الورقة هي الاختبار الحاسم لجدية القرار الأخير ومصداقيته، وليس صعبًا ظهور آثاره على واقع العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية في المدى القريب.[16]

إنَّ قرارًا من السلطة الفلسطينية بوقف الاتفاقات الأمنية مع "إسرائيل"، أي وقف التنسيق الأمني، من شأنه أن يقلب الطاولة، إذ ستسمح السلطة الفلسطينية باتخاذها هذا القرار، ضمنيًا، بإطلاق يد المقاومة الفلسطينية المكبَّلة في الضفة الغربية، ولن تقوم الأجهزة الأمنية الفلسطينية بمنع ذلك، عندها، سيكون على "إسرائيل" توجيه جهودها الأمنية كاملة إلى الضفة الغربية؛ لأنها الخاصرة الأضعف لأمن "إسرائيل"، بحكم قربها الجغرافي.

وقد كانت الضفة الغربية بالنسبة للاحتلال، على مدار سنين طويلة، ساحة منضبطة بحكم التنسيق الأمني، والتزام السلطة أصلًا بضبطها، ومنع أي أعمال للمقاومة فيها، ولذا، فإنَّ قرارًا من هذا النوع، سيكون تغييرًا استراتيجيًا كبيرًا في سياسة القيادة الفلسلطينية وتعاملها مع "إسرائيل"، ولكن السؤال المطروح هنا هو: هل استعدت السلطة لمثل هذا القرار؟ 

قراءة لمآلات القرار

لا شك أنَّ اتخاذ قرار بوقف العمل بالاتفاقيات الموقعة مع الاحتلال الإسرائيلي، إن كان جادًا بالفعل، ليس بالقرار السهل، ولا يمكن أن يكون مجرد قرار عابر، فاللجنة المكلفة بالأمر، عقدت اجتماعها الأول بعد عشرة أيام من صدور القرار، مما يشير إلى عدم الجدية في تطبيق القرار، أو على الأقل التراخي فيه، حيث يقول أحد أعضاء اللجنة -طالبًا عدم ذكر اسمه- لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ): إنَّ اللجنة اكتفت لدى اجتماعها برئاسة الرئيس محمود عباس، في مقر الرئاسة برام الله، باستعراض الخطوط العريضة لعملها، وأوضح المسؤول أنَّه لم يتم اتخاذ أي قرارات على الفور، بما في ذلك ما يتعلق بمستقبل التنسيق الأمني مع "إسرائيل"، على أن يتم البحث أكثر، من أجل تحديد الخيارات فيما يتعلق بالخطوات الفلسطينية المقبلة، ودراسة تداعيات الأمر. [17]

وهذا ما يمكن فهمه كنية بتأجيل المباشرة بتنفيذ هذا القرار، ويحيله أكثر لصفة القرار الاحتجاجي على إجراءات الاحتلال، أكثر من كونه وجهة استراتيجية جديدة لدى السلطة الفلسطينية في التعامل مع الاحتلال.

لا تكمن المشكلة في فكرة تشكيل اللجنة فحسب، والتي تعني في الذهن الفلسطيني إماتة الموضوع، ولكن هذا التعطيل المستمر لقرارات من هذا النوع يطرح تساؤلات حقيقية، حول دور الجهاز التنفيذي للسلطة الفلسطينية بشقيه الأمني والحكومي في كبح الأجندة السياسية، في ظل تشابك علاقاته مع الاحتلال في كافة الجوانب، وما أنتجته سنوات أوسلو الطويلة من إضعاف لقدرة الفلسطينيين ومؤسساتهم على الاعتماد الذاتي.

  نتائج وقف العمل بهذه الاتفاقيات، سواءً كان تجميدًا لها أو خروجًا نهائيًّا، سينعكس وبعمق، على الفلسطينيين كلّهم، وهو ما يعني حكمًا ضرورة بناء حالة من الإجماع الوطني الفلسطيني القادر على حمل الأعباء المترتبة على هذا القرار، وهو ما يبدو غائبًا في ظل الانقسام المستمر، ووجود حكومة لا تحظى بتوافق وطني وفصائلي، واستمرار العقوبات المفروضة على قطاع غزة، بل واستمرار مقاطعة مجموعة من فصائل منظمة التحرير لجلسات المجلس المركزي واللجنة التنفيذية، ارتباطًا بذلك يمكن فهم الطبيعة التكتيكية للقرار وغياب مضامين التحول الاستراتيجي عن ظروف إعلانه أو آليات التعامل معه.

إنَّ القطيعة مع الاحتلال تتطلب تحولًا استراتيجيًا في الخيارات السياسية، وأدوات العمل لدى القيادة الرسمية الفلسطينية، فقد نشأت السلطة وعملت، وتشكلت بُنيتُها وشبكات المصالح المحيطة بها، بموجب هذه الاتفاقيات، بل وعملت السلطة على تشكيل المجتمع والاقتصاد الفلسطيني بما يتواءم مع هذه الاتفاقيات التي ساهمت أيضًا في خلق الاصطفافات السياسية في المشهد الفلسطيني، ولعبت دورها في صناعة الانقسام على الأقل بمحتواه السياسي. ولم تظهر السلطة الفلسطينية أو قيادتها مؤشرات على الاستعداد لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، سواءً على مستوى تعاملها مع المشهد السياسي والفرقاء الفلسطينيين، أو على مستوى نمط حكمها وإدارتها للوضع الفلسطيني.

الواضح هنا أنَّ المقصود بقرار الرئيس عباس ليس القطيعة مع الاحتلال الإسرائيلي، إنما سعي لاستدعاء تدخل من قبل الأطراف الدولية والإقليمية المعنية، وبالأخص واشنطن، التي تعمل السلطة على دفعها للتراجع عن خطتها بشأن صفقة القرن التي تتسارع دون تنسيق مع الفلسطينيين. [18]

القرار هو تكتيك ينتظر من خلاله تدخل أطراف دولية ما؛ لتدارك الموقف، ويحمل رسالة حول إمكانية ذهاب السلطة لقرارات قد تؤدي إلى انهيارها، أو انفلات الوضع في الضفة الغربية المحتلة، فالقرار يبدو وكأنَّه استصراخ يقترب من اليأس، موجه للعالم الذي اعتبر مشروع أوسلو، ولمدة طويلة، على أنَّه مشروع دولي، قبل أن يكون مشروعًا ثنائيًا بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في حين تبدو الاستجابة الدولية لفرضية الاستصراخ هذه ضعيفة، إن لم تكن معدومة، فالرئيس بقراره، قَطَعَ نصف الطريق، وترك النصف الآخر للتدخلات الخارجية. [19]

 

ختامًا..

إنَّ الواقع الصعب الذي آلت إليه الأمور على الأرض، يتطلب من الجميع الوقوف عند مسؤولياتهم، وإنَّ قرار قيادة السلطة الأخير، وإن كان الجميع يرى فيه مناورة وتكتيكًا ليس أكثر، إلا أنَّه قرار هام، ويمكن البناء عليه، بل ويجب العمل وطنية لتطبيقه، لا سيما وأنَّ الالتزامات التي كبلت السلطة نفسها بها، وخاصة الالتزامات الأمنية، لعبت دورًا أساسيًا في صناعة واقع الانقسام السياسي الفلسطيني الأليم، فحملات الاعتقال السياسي التي كانت تقوم بها السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، بدأت بعد توقيع اتفاق أوسلو وتأسيس السلطة عام 1994م، وما تبعه من اتفاقيات والتزامات أمنية، وقد كان سبب حملات الاعتقال هذه، هو اختلاف البرامج السياسية على الساحة الفلسطينية، والخلاف حول اتفاق أوسلو، وما تبعه من اتفاقيات، واستمرار هذا الخلاف على حاله حتى وصول حماس إلى الحكم عام 2006م، واشتداد حدة الخلاف الداخلي بسبب رفض حماس الالتزام بهذه الاتفاقيات، مما أدى في نهاية المطاف إلى الانقسام السياسي الفلسطيني عام 2007م، الذي لا زالت الساحة الفلسطينية تعيشه حتى اليوم.

ولعل إعلان أبو مازن الأخير حول وقف هذه الاتفاقيات، يرفع عن الجميع عبء هذا الخلاف السياسي المفترض، الذي كان حجر العثرة على الدوام في محادثات المصالحة الداخلية الفلسطينية، وهذا بالضرورة يسهل على كافة الأطراف، في حال استشعر الجميع المخاطر المحدقة بالقضية، الوصولَ إلى برنامج وطني تحرري جامع، تتفق عليه جميع الأطراف، ويصطف الجميع من حوله، عندها وإذا ما تكاتفت الجهود لتطبيق البرنامج المرجو، فإنّه بالضرورة سيغير المعادلة، وسيدفع الاحتلال الإسرائيلي، لإعادة الحسابات من جديد.

 

 

الهوامش

[1] الرئيس عقب اجتماع القيادة: قررنا وقف العمل بالاتفاقات الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، موقع وكالة الأنباء الفلسطينية/ وفا، 25/7/2019.

http://www.wafa.ps/ar_page.aspx?id=BjefUma858709626720aBjefUm

[2] الاحتلال يهدم شققا سكنية في حي وادي الحمص، موقع عرب 48، 22/7/2019.

https://www.arab48.com/

[3] تعليق الاتفاقيات مع "إسرائيل".. عباس يواجه معضلة التنفيذ مُجددا، موقع trt  عربي، 26/7/2019.

https://www.trtarabi.com/now/

[4] عريقات: العمل جار لدراسة كافة الاتفاقيات مع "إسرائيل"، موقع البيادر السياسي، 4/8/2019.

http://www.al-bayader.org/2019/08/291892/

[5] المصدر السابق.

[6] واشنطن ترد على قرار عباس وقف الاتفاقيات المبرمة مع "إسرائيل"، موقع الجزيرة نت، 26/7/2019.

https://www.aljazeera.net/news/politics/2019/7/26/

[7] يديعوت: السلطة لن توقف التزامها بالاتفاقيات مع "إسرائيل"، موقع وكالة شهاب للأنباء، 26/7/2019. https://shehabnews.com/post/51197/

[8] صحيفة إسرائيلية: كيف سيسافر أبو مازن إلى تونس إذا أوقف التنسيق، موقع وطنية نت، 26/7/2019. https://www.watania.net/news/132116-

[9] الإعلام الإسرائيلي يعلق على قرار الرئيس عباس بشأن الاتفاقيات مع "إسرائيل"، موقع دنيا الوطن، 26/7/2019.

https://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2019/07/26/1262435.html

[10] حماس تعلق على خطاب الرئيس عباس الأخير وهذا ما قالته...، موقع سما الإخباري، 26/7/2019. https://samanews.ps/ar/post/382808/

[11] البطش: نريد أن يكون قرار أبو مازن أكبر قيمة وجدية، موقع وكالة شهاب، 26/7/2019.

https://shehabnews.com/post/51200/

[12] ساسة وكتاب لـ “الكوفية".. مطلوب ترجمة قرار "عباس" إلى أفعال فورا، موقع الكوفية برس، 26/7/2019. https://alkofiya.tv/post/33090

[13] عرفة نور، بدائل بروتوكول باريس، الشبكة، 27/2/2018 https://al-shabaka.org/briefs/

 [14] هالة الشعيبي، بروتوكول باريس الاقتصادي: مراجعة الواقع التطبيقي، معهد أبحاث السياسات الاقتصادية/ ماس، 2013. https://library.palestineeconomy.ps/public/files/server/20151205151601-2.pdf

[15] عرفة نور، بدائل بروتوكول باريس، الشبكة، 27/2/2018 https://al-shabaka.org/briefs/

[16] نبيل عمرو للوطنية: "إسرائيل" أهانت السلطة بعهد أبو مازن.. والفلسطيني يراقب تطبيق قراره، موقع وطنية نت، 31/7/2019. https://www.watania.net/news/132290-

[17] تفاصيل اجتماع اللجنة الفلسطينية لوقف العمل بالاتفاقيات مع "إسرائيل"، موقع سما الإخباري، 3/8/2019. https://samanews.ps/ar/post/383812/

[18] قرار عباس وقف الاتفاقيات مع "إسرائيل": خطوة جادة أم استعراض سياسي؟ موقع BBC عربي، 27/7/2019. http://www.bbc.com/arabic/inthepress-49125798

[19] نبيل عمرو، مصدر سابق.