قراءة في أهم إصدارات مراكز الأبحاث الإسرائيلية حزيران/ يونيو 2018

home_politics_blog5
غزة تحت حكم حماس من الديمقراطية الإسلامية إلى الحكم الإسلامي
31 أغسطس ,2018

قراءة في أهم إصدارات مراكز الأبحاث الإسرائيلية حزيران/ يونيو 2018

مقدمة

تتناول هذه القراءة أهم إصدارات مراكز الأبحاث الإسرائيلية خلال شهر حزيران/ يونيو 2018. أهمها استطلاع للرأي أعده ونشره معهد الدراسات الديمقراطية، وقد تطرّق للقضايا الداخلية والخارجية، خاصة فيما يتعلق بالأحداث المتصاعدة على الحدود مع قطاع غزة.

كما تتناول القراءة ملخصًا لليوم الدراسي الذي عقده معهد دراسات الأمن القومي، والذي تمحور حول حرب الوعي التي باتت تشتعل بين الفلسطينيين والإسرائيليين لكسب الرأي العام العالمي على خلفية مسيرات العودة، واستخدام العنف الإسرائيلي المفرط تجاه الفلسطينيين السلميين.

كما أعد مركز بيجن/ سادات للدراسات الاستراتيجية، العديد من القراءات، التي تمحورت حول الرؤية الأفضل للتعامل مع الملف الفلسطيني الإسرائيلي، أهمها قراءة تحت عنوان "ثلاث دول لشعبين". إلى جانب قراءة أخرى ترى أنّ التكنولوجيا وحدها، ليست سلاحًا كافيًا لمواجهة التحديات الأمنية.

فيما نظم المركز المقدسي لدراسات الجمهور والدولة، يومًا دراسيًا حول مستقبل إيران في ظل التحديات الاقتصادية الجديدة، وخاصة بعد قرار الرئيس الأمريكي ترامب بفرض عقوبات على إيران، وقبل ذلك قراره بالانسحاب من الاتفاق النووي.

 يمكن تلخيص أهم استنتاجات مراكز الأبحاث الإسرائيلية خلال شهر حزيران/ يونيو 2018، بما يلي:

●       يؤيد 83% من الإسرائيليين قتل مطلقي الطائرات الورقية، وترتفع هذه النسبة إلى 92% بين أوساط اليمين.

●       يرى 38% من الإسرائيليين أنّ جيشهم يُدير ملف غزة بصورة جيدة، وأن الجيش يستحق تقدير امتياز، فيما يعطي 56% من الإسرائيليين للحكومة تقييمًا سيئا في إدارة الملف.

●       يؤيد 49% من الجمهور الإسرائيلي تحويل الجيش إلى جيش مهني بدل الخدمة الإلزامية.

●       تخشى "إسرائيل" الحرب الشاملة مع قطاع غزة، وتفضل حربًا خاطفة.

●       فشلت "إسرائيل" في إدارة معركة الوعي تجاه الفلسطينيين، وما زالت صورة الجندي القاتل المدجج بالسلاح عالقة في الأذهان.

●       تحتاج "إسرائيل" إلى خطة شاملة، قبل أي حدث، وخلاله وبعده، لتبرير أعمالها، وترسيخ روايتها.

●       حل "ثلاث دول لشعبين"، وتوسيع قطاع غزة هو الخيار الأمثل لحل الصراع.

●       يوجد تراجع كبير في الروح القتالية لدى الجندي الإسرائيلي.

●       إيران على وشك التخلص من مشروعها النووي، في ظل تحديات داخلية وخارجية.

●       الثورة الداخلية في إيران مسألة وقت في حال عدم حدوث تغير كبير في السياسة الخارجية والداخلية للنظام الإيراني.

 

أولا: المركز الإسرائيلي للديمقراطية[1]

أعد المركز الإسرائيلي للديمقراطية استطلاعًا شاملًا في شهر حزيران/ يونيو الماضي، تطرق فيه للعديد من القضايا الداخلية والخارجية، التي تقيس توجهات الرأي العام الإسرائيلي بشأنها (ياعر وهيرمان، 2018).

وكانت أهم أسئلة الاستطلاع والنتائج التي أظهرها على النحو التالي:

●       هل أنت مع اغتيال مطلقي الطائرات الورقية؟

أظهرت نتائج الاستطلاع أنّ 83% من الجمهور الإسرائيلي يؤيدون استهداف مطلقي الطائرات الورقية بشكل مباشر. وقد تبين أنّ 92% من أحزاب اليمين، و80% من أحزاب المركز "الوسط"، و43% من أحزاب اليسار، يؤيدون استهداف مطلقي الطائرات الورقية.

تُظهر هذه النتائج وجود تقارب كبير بين معسكري اليمين والمركز تجاه القضية الفلسطينية، وآلية التعامل معها. ففي الوقت الذي يطالب فيه اليمين بضرورة تجاهل المطالب السياسية الفلسطينية، فإنّ المركز يتفق مع ذلك، لكنه يريد أن يتم ذلك من خلال المفاوضات، ويرى أنّها الطريقة الأنسب للتوصل إلى تفاهم يقضي بقبول الفلسطينيين بدولة على جزء من الضفة الغربية.

إن هذا التقارب بين اليمين والمركز جعل الخلافات الإسرائيلية تتركز في المسائل الداخلية، وليس بخصوص القضية الفلسطينية. أي أنّ الفجوة في مواقف المعسكرين فيما يتعلق بآلية الحل تجاه الفلسطينيين تقلصت، مقابل بقاء الخلاف بشأن القضايا الداخلية، كالخلاف على شكل الدولة.

●       كيف تُقيّم أداء الجيش في مواجهة التحدي الأمني على حدود غزة؟

أظهرت استطلاعات الرأي أنّ الجمهور الإسرائيلي راضٍ عن تعامل الجيش مع الأحداث في قطاع غزة، حيث رأى 38% منهم أنّ تعامل الجيش ممتاز، ورأى 38% أيضا أنّه جيد. في المقابل، رأى 56% أنّ الحكومة تدير الملف الغزي بطريقة غير جيدة.

تشير هذه الأرقام إلى أمرين، الأول أنّ ثقة الجمهور في الجيش ما زالت أعلى من ثقته في الحكومة، ويُمكن إرجاع ذلك إلى القُدسية التاريخية التي تمتع بها الجيش الإسرائيلي. لكن ورغم ذلك، فإن هذه الأرقام بحد ذاتها أصبحت مقلقة، إذ إن مؤشر الديمقراطية السنوي بات يشير إلى تراجع ثقة الجمهور في جيشه عامًا بعد آخر.

أمّا فيما يتعلق بالحكومة، فإن الانقسام الداخلي الإسرائيلي ما بين يمين ومركز ويسار، بات ينعكس هو الآخر على التقييم الموضوعي لأداء الحكومة، الأمر الذي بات يشهد تصويتًا حزبيًا لتقييم الأحداث، وليس تصويتًا موضوعيًا ومحايدًا، وذلك في ظل ما تُعانيه الحكومة الإسرائيلية من اتهامات بالتغطية على رئيسها الفاسد.

●       هل تتوقع نجاح خطة السلام الخاصة بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب؟

توقع 71% من الإسرائيليين أن لا ينجح ترامب في خطته، وقد اتفق كلا التيارين المركزيين في الدولة العبرية على ذلك، بنسبة تفوق ثلثي المستطلَعين.

يمكن إرجاع سبب توقع الجمهور الإسرائيلي عدم نجاح خطة ترامب، إلى العقلية الإسرائيلية، التي باتت في غالبيتها ترفض وجود دولة فلسطينية، حتى بالحد الأدنى، وأقل مما ورد في اتفاق أوسلو، حيث لم يعد هذا الرفض مقتصرًا على التيار اليميني، بل باتت تتبناه أحزاب المركز أيضا، التي أصبحت تعتقد أنّه من الاستحالة بمكان الانسحاب من التجمعات الاستيطانية الكُبرى.

●       هل ترامب مهتم بالإسرائيليين والفلسطينيين؟

رأى 74% من المستطلَعين أنّ المصالح الإسرائيلية مهمة جدا للرئيس الأمريكي، فيما رأى 30% فقط أنّه مهتم بالمصالح الفلسطينية.

من الواضح أن هناك إجماعًا إسرائيليًا على أنّ سياسة الولايات المتحدة، هي سياسة داعمة بشكل واضح وكبير للدولة العبرية، وتدل الأرقام على أن هذه الثقة ارتفعت في أوساط اليمين، تحديدًا بعد وصول الرئيس ترامب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض.

●       هل ما زلت تعتقد أنّ الجيش الإسرائيلي هو جيش الشعب؟

أظهرت النتائج أن 70% من مؤيدي معسكري اليمين والمركز، ما زالوا يعتقدون ذلك، فيما انخفضت النسبة عند معسكر اليسار إلى 47%.

والأبعد من ذلك، أنّ 39% من المستطلَعين اليهود، رأوا ضرورة تغيير نظام التجنيد الحالي، من تجنيد إلزامي إلى اختياري، وهي نسبة مرتفعة إذا ما قورنت مع السنوات السابقة.

يعود سبب طرح هذا السؤال إلى أمرين باتا مستغربيْن في المجتمع الإسرائيلي، الأول هو إعفاء المتدينين الحريديم، الذين يُشكلون 12% من السكان، من الخدمة في الجيش، والثاني هو سيطرة المتدينين القوميين على مراكز مهمّة في الدولة، في ظل إقبالهم على التجنيد.

هذا الواقع، وما رافقه من فرض طقوس دينية على الجنود كافّة، بما في ذلك غير المتدينين، فتح مؤخرًا نقاشًا واسعًا تضمن عدة تساؤلات حول الهوية، مثل: هل بات الجيش الإسرائيلي يُعبر عن الهوية القومية في ظل عدم مشاركة شريحة واسعة فيه؟ وهل بات أقرب لجيش الرب بدل جيش الأمّة في ظل سيطرة التيار المتدين الآخر عليه؟ وبالتأكيد هناك تفاوت كبير بين التيارات المختلفة في المجتمع الإسرائيلي بشأن الهوية.

●       كيف ترى تجنيد شباب الحريديم؟

رأى 70% من الجمهور اليهودي، ضرورة العمل على تجنيد شباب الحريديم، الذين يرفضون التجنيد بحجة التفرّغ لتعلّم التوراة، حيث طالب 80% من العلمانيين، و 52.5% من المتدينين القوميين، و 11% من الحريديم أنفسهم، ضرورة فرض التجنيد الإجباري على شباب الحريديم.

باتت قضية تجنيد الحريديم، التي من الممكن أن تؤدي إلى انهيار الائتلاف الحكومي، بسبب الخلافات على قانون التجنيد الجديد، تأخذ منحنًى متسارعًا، حيث باتت شريحة واسعة من الجمهور الإسرائيلي، ترى أنّ الحريديم يمتصون دماء الدولة، دون أن يقدموا لها شيئا.

والأهم من ذلك، هو أنّ هذا التيار تحديدًا، تتزايد أعداده بشكل ملحوظ وكبير، الأمر الذي بات يرهق الدولة، التي تُقدم مخصصات عالية للمتفرغين لتعلّم التوراة. والأهم من ذلك أيضا، هو أنّ توقعات وصول هذا التيار إلى نسبة 30% من المجتمع خلال العقود الثلاث القادمة، قد يؤدي إلى شلل في الحياة الاقتصادية في "إسرائيل"، إلى جانب ارتفاع نسبة الفقر في أوساط هذا التيار، الأكثر فقرًا في الدولة، الأمر الذي باتت الدولة ترى فيه خطرًا لا بد من استدراكه، والعمل على دمج الحريديم في سوق العمل، وكذلك الجيش.

ثانيا: معهد دراسات الأمن القومي[2]   

نظم معهد دراسات الأمن القومي يومًا دراسيًا مفصلًا حول الحرب على الوعي، وأخذ النموذج الغزي كحالة دراسة، وكان ذلك بمشاركة العديد من الشخصيات والباحثين البارزين، ذات الخلفية الصحفية والأمنية والسياسية (معهد دراسات الأمن القومي، 2018).

منذ انطلاق مسيرات العودة على حدود قطاع غزة أواخر آذار/ مارس 2018، كتب مختصون إسرائيليون أن ما يحدث هو حرب على الوعي العالمي، وأنّ من أهم ما يُمكن أن تُقدمه مسيرات العودة للعالم، هو إعادة مركزية القضية الفلسطينية، وإعادة تسليط الضوء على صورة محتل مدجج بالسلاح، يواجه أعزلَ بالأصل هو صاحب الأرض.

وقد رأى المتحدثون في اليوم الدراسي، أنّ حركة حماس أرادت عبر تفعيل الحراك السلمي، التأثير على الوعي في أربعة اتجاهات: الساحة العالمية، والإقليمية، والفلسطينية، وكذلك الإسرائيلية. في المقابل، فإنّ الجيش الإسرائيلي والمنظومة الأمنية، لم يكتفوا بالقوّة العسكرية للمواجهة، بل حاولوا التصدي للحرب على الوعي، بنفس الطريقة أيضا.

أول المتحدثين كان ران ربيب، المتحدث العسكري في نطاق الاستراتيجية والتخطيط والبحث، وقد أشار إلى أنّ رؤية حماس باتت تؤثر في الشارع الإسرائيلي، وتلقى صدىً، وأرجع ذلك إلى أنّ الجمهور بات منكشفًا بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، التي لا تخضع لأي رقابة، في الوقت الذي لا يتابع الإعلام الرسمي بشكل كبير.

من جانبها، أشارت الباحثة البارزة في المعهد ميخال ختوال، إلى أنّ منظمات المقاومة نجحت في فرض أجندة إعلامية. فيما أشار المحلل العسكري البارز في صحيفة يديعوت أحرونوت رون بن يشاي، إلى أنّ الحروب من هذا النوع باتت تخدم حماس، وتهز صورة "إسرائيل" أمام الرأي العام العالمي، لأن الصورة التي تُظهر الجندي مدججًا بالسلاح، تكفي لنقل الرأي العام لصالح الفلسطينيين.  وأضافت سمدري بري، وهي محللة بارزة في صحيفة يديعوت أحرونوت، أنّ الصورة التي باتت تؤخذ في العالم، هي أنّ هناك دولة مدججة بالسلاح، تعتدي على شعب أعزل، الأمر الذي بات يخدم الرواية الفلسطينية بشكل كبير.

ثم تحدث الباحث البارز في المعهد كوبي ميخال، ورأى أنّ حماس استطاعت أن تراكم مسيرة العودة والبالونات الحارقة لصالحها، وأنّها باتت تتقن قراءة الإعلام العبري، وهي تدرك أنّ "إسرائيل" غير معنية بالتصعيد، وتخاف من حرب على شاكلة حرب 2014. ولأن حماس تتأثر بالموقف المصري، كونها مجبرة بفعل الحدود بين الطرفين، وبسبب إمكانية إغلاق مصر للشريان الأخير عن الحركة، فإنّها اختارت وسائل قد تكون مقبولة على المصريين، مثل البالونات الحارقة والمسيرات الشعبية، التي تريد من خلالها حماس أن تُحدث ضغطًا على المستوى العسكري والسياسي الإسرائيلي.

من جانبه، أشار اللواء أساف أوريون، إلى أنّ هناك روايتين سبقتا أحداث مسيرة العودة، الأولى أنّه سيكون هناك مئات القتلى، وقد نجحنا في إبعاد هذه الرواية. لكن في المقابل، كانت هناك رواية ركزت على عشرات من القتلى، وأضرت بصورة "إسرائيل". ورغم ذلك، فإنّ "إسرائيل"، على حد قوله، استطاعت أن تُسجل بعض النجاحات، مثل الترويج بأنّ مسيرات العودة يقف وراءها التنظيم العسكري لحركة حماس، وهي ليست حراكًا سلميًا.

من جانبه أشار اللواء جابي سيبوني، إلى أنّ الجيش قام بعمل دؤوب من أجل الوقوف بوجه الحرب على الوعي، وبهدف إيصال الرسالة إلى الأطراف المعنية. واليوم، هناك مجموعة من الأعمال التي استطاعت أن تؤدي دورها في إيصال رسالة إيجابية، لكنّه حذر من أنّ صورة فيها الكثير من الدمار والقتل، ستؤدي إلى هدم كل ما قام الجيش ببنائه.

وعن الأهداف التي وضعها الجيش، قال اللواء رونان منليس، الناطق باسم الجيش، إنّ حماس فشلت في معركة الوعي. وأكد أنّ الجيش أشار إلى مجموعة من المهام لتنفيذها، الأولى كانت تشويه صورة العدو، من خلال ربط إيران بالأعمال الأخيرة على الحدود، وهذا أثّر حتى في الرأي العام العربي. والثانية هي محاولة تبرير شرعية ما يقوم به الجيش على حدود قطاع غزة، وذلك من خلال جلب العديد من الشخصيات المؤثرة عالميا، والقيام بشرح ما يجري على الأرض، إلى جانب استخدام مصطلحات إسلامية، وآيات من القرآن، لجلب انتباه الشارع العربي والإسلامي. 

في الختام، لخص مدير المعهد أودي ديكل الوضع، مشيرًا إلى وجود فجوة ما بين كل من المرغوب، والواقع على الأرض، والرسالة التي أراد الجيش إيصالها، ونسبة وصولها في الحقيقة. وحسب ديكل، فإنّ "إسرائيل" تُعاني من مشكلة سياسية كبيرة، تكمن في انطوائها على الدفاع عن أعمالها، بدل إعداد سياسة شاملة، تكون فيها "إسرائيل" على جاهزية، بدل اضطرارها الدائم للدفاع عن صورتها.

وأضاف ديكل أنّ الجيش ليس المسؤول عن الوعي على المستوى الدولي، وإنما يجب على الدولة أن تكون مسؤولة عن حرب الوعي، وأن تعتبرها مركزية، من خلال بلورة نظرية واضحة، تعتمد على هيئة وطنية لمواجهة الوعي خلال التحديات الأمنية، وبناء الرواية الإسرائيلية المقنعة، قبل الحدث وخلاله وبعده.

وما يُمكن ملاحظته من خلال ما قدمه المتحدثون، أنّ الإدراك الإسرائيلي العام، يُشير إلى فشل الرواية الإسرائيلية. وإن كانت هذه الرواية لم تُؤتِ ثمارها بعد على مستوى الحكومات، فإنّها بالتأكيد سيكون لها انعكاسات كبيرة، في ظل قناعات باتت تترسخ لدى شريحة واسعة من الشعوب، وتحديدًا الغربية منها، بأنّ "إسرائيل" دولة احتلال تمارس القتل بحق شعب أعزل.

الصورة والدعاية من الأمور الأكثر تأثيرًا على الدولة العبرية. وإن كانت "إسرائيل" تستطيع أن تقلل من قيمة ذلك، في ظل الدعم الكبير الذي تتلقاه من الولايات المتحدة، فإنّ عمل الفلسطينيين على إبقاء صورة المحتل وممارساته البشعة لدى الرأي العام العالمي، هو من أهم روافد إثبات الحق الفلسطيني واستعادته.

حرب الوعي مؤخرًا كسبها الفلسطينيون، وبفارق واضح، حتى باعتراف الغالبية الإسرائيلية، الأمر الذي يُشير إلى أنّ الحق الفلسطيني، رغم ضعف إمكانياته، أقوى من الدعاية الإسرائيلية، وأنّ هذه المسيرات على ما فيها من معاناة، أعادت للقضية الفلسطينية بريقها، بعد أن خبا لفترة طويلة بسبب الواقع الإقليمي والعالمي المتشعب.

ثالثا: معهد بيجن/ سادات للدراسات الاستراتيجية[3]

عرض المعهد العديد من القراءات في الأحداث السياسية والأمنية الجارية. أهمها قراءتان للواء السابق جرشون هكوهين، الأولى حول حل الثلاث دول للقضية الفلسطينية، والثانية حول محدودية التكنولوجيا في التعاطي مع الكثير من الملفات الأمنية.

1.    حل الثلاث دول (هكوهين، 2018).

استهل الكاتب اللواء السابق جرشون هكوهين، قراءته للحل الأمثل للقضية الفلسطينية، منطلقا من الوضع المأساوي الذي يمر به قطاع غزة. فقد أشار إلى أنّ القطاع يعاني من تراجع كبير، وأزمات متلاحقة خانقة، سواءً إبّان حكم السلطة الفلسطينية، أو خلال سيطرة حركة حماس منذ عام 2007.

وأشار هكوهين إلى أنه "في ظل الانسداد السياسي مع الفلسطينيين، فإن النموذج السائد اليوم في الضفة الغربية، القائم على توفير الاحتياجات الاقتصادية والأمنية لكل من "إسرائيل" والسلطة الفلسطينية، قد يكون قابلًا للتكرار بين قطاع غزة ومصر. وأضاف هكوهين أنّه حين يتعطّل الحاسوب، فإننا نحتاج إلى إعادة تشغيله مرة أخرى بعد إطفائه، وهكذا فإن "إسرائيل" تحتاج لإجراء تشريح استراتيجي للواقع القائم منذ تعثر تطبيق اتفاقيات أوسلو، وتحتاج إلى عملية مشابهة للحاسوب؛ لأنه منذ البدء بتطبيق اتفاقيات أوسلو عام 1994، وانسحاب "إسرائيل" من قطاع غزة عام 2005، ثم سيطرة حماس عليه عام 2007، نشأ واقع جديد، وتحول القطاع تدريجيًا لما يشبه كيانًا سياسيًا قائمًا بذاته، وقوة عسكرية شبه نظامية، مسيطرة على مساحة جغرافية.

وأضاف هكوهين أنّ الفصل الجغرافي بين الضفة وغزة، إلى جانب الانقسام الفلسطيني، حوّل الفلسطينيين إلى كيانين منفصلين، الأمر الذي يتطلب ضرورة وجود حلّ منفرد لكل منهما، بحيث تتبع غزة منطقة للنفوذ المصري، لأنّ النطاق الجغرافي القائم بين مدينة رفح الفلسطينية ومدينة العريش المصرية، قد يكون هامشًا واسعًا لتمدد قطاع غزة هناك، بحيث يشهد مشاريع اقتصادية وبنى تحتية بحاجة لها، مع أن الأمر مرهون بموافقة مصر، التي لن تتنازل بسهولة عن أي من مساحاتها السيادية، ولذلك تحتاج المسألة حلولًا إبداعية لا تتطلب تنازلًا مصريًا فجًا وصريحًا، وإنما من خلال تعويضاتٍ مادية واقتصادية لها، حيث تعاني من ضائقة معيشية متزايدة.

يبدو أن الكاتب أراد، ومن خلال واقعية الطرح، وفي ظل المعطيات الصعبة على الأرض، القضاء على حلم الدولة الفلسطينية، حتى بمفهوم اتفاق السلام، الذي تنازل فيه جزء من الفلسطينيين أنفسهم عن 78% من حقوقهم التاريخية، الأمر الذي يُشير إلى أنّ تقسيم المناطق في الضفة الغربية، ما بين مناطق "أ، ب، ج"، حيث منطقة "ج" التي تُشكل 60%، بقيت تحت سيطرة الدولة العبرية، وباتت تتوسع فيها "إسرائيل" من خلال عمليات استيطان ممنهجة، هو أمر يُشير إلى النية الإسرائيلية التي كانت مبيتة، بعدم تطبيق اتفاق أوسلو.

هذا الطرح بالتأكيد ليس من بنات أفكار اللواء هكوهن، الذي خدم في الجيش أكثر من 42 عاما، ولكنّه في الواقع، هو المخطَّط الذي باتت "إسرائيل" تدرسه، وتعمل عليه بشكل معمّق. ففي الوقت الذي تحاول فيه تطبيق السلام الاقتصادي في الضفة، باتت ترى أنّ مصر هي صمام أمان الجبهة الجنوبية، فهي ستضغط على المقاومة، وستعمل على تمرير هذا الطرح، الذي قد تكون بدأت به عمليًا منذ تفريغها لرفح المصرية، وفتحها خطوط تواصل قوّية مع المقاومة في غزة، للوصول إلى أحد المسارين المختلفين، إمّا عودة السلطة إلى غزة، وتطبيق هذه الجزئية التي أوردها الكاتب بالشراكة معها، أو دفع حماس للقبول بها مجبرة، في ظل الواقع الصعب الذي بات يعيشه قطاع غزة منذ سنوات طويلة.

2.    محدودية التفوق التكنولوجي (هكوهين ج.، 2018).

ما دفع اللواء جرشون هكوهين إلى التطرق لهذه القضية، هو ظاهرة المقاومة من خلال الطائرات الورقية، التي باتت تزعج الاحتلال منذ ما يزيد عن عشرة أسابيع.

يرى الكاتب في خضم قراءته، أنّ التكنولوجيا ورغم تفوّقها، ليست الحلّ الناجع لمواجهة التحديات الأمنية، حتى وإن تم باستخدامها التغلب على بعض التحديات، لكن الروح القتالية، والنجاعة، والجاهزية للمواجهة، والتضحية، هي العوامل الأهم للحسم، وبوجودها يُمكن اعتبار التفوّق التكنولوجي مهمًا وفعّالًا.

وأشار جرشون إلى أنّ من أهم عوامل التفوق الذي امتلكته "إسرائيل"، هي الروح القتالية العالية، التي رسختها المنظومة العسكرية الإسرائيلية في الذهنية العربية، من خلال الانتصارات التي حققتها على جيوش العرب خلال الحروب الأولى، بعد قيام الدولة العبرية.

وألمح الكاتب إلى تراجع الروح القتالية لدى الجندي الإسرائيلي، وطالب الدولة بضرورة العمل، وبشكل دؤوب وفعّال، لرفع روح الانتماء والتضحية لدى الجندي. ففي الوقت الذي استطاعت فيه "إسرائيل" أن تُمكّن جنودها من امتلاك تكنولوجيا متقدمة، إلا أنها لم تستطع في ذات الوقت رفع درجة التضحية والانتماء لديهم، أو الحفاظ عليها.

هذه القضية التي تطرق لها الكاتب، باتت ملحوظة من حيث ارتفاع وتيرتها. ففي الوقت الذي تتهرب فيه فئة كبيرة من الشباب من المشاركة في القوّة البرية، ويفضل بعضها السجن على دخول سلاح المدرعات، فإنّ نقاشًا آخر يُعتبر الأهم داخليًا، ويثير التساؤلات التالية: هل بات الجيش الإسرائيلي يُعبر عن جيش أمّة؟ أم بات جيشًا لفئة دون أخرى في ظل رفض شريحة الحريديم، التي تُمثل 12% من المجتمع، المشاركة فيه؟ أم بات جيش الرب، في ظل سيطرة المتدينين الصهاينة عليه؟

رابعا: المركز المقدسي لدراسات الجمهور والدولة[4]

نظم المركز المقدسي يومًا دراسيًا تناول فيه الأوضاع الداخلية في إيران، وكان تحت عنوان: هل إيران على وشك الانهيار؟ (المركز المقدسي، 2018).

تناول اليوم الدراسي الأوضاع الداخلية في إيران بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، وأشار الحضور، الذين كان على رأسهم يوفال شتاينتس، وزير الطاقة وعضو المجلس الأمني الإسرائيلي، إلى أنّ الولايات المتحدة ذاهبة بقوّة لمزيد من الضغط الاقتصادي على النظام الإيراني، ولم يستبعد أن تستخدم القوّة العسكرية ضدها.

وأشار المجتمعون إلى أنّ إيران تعاني من ظروف اقتصادية صعبة، ربما ستدفعها للعودة إلى طاولة المفاوضات مجددًا، وتغيير سياساتها في الشرق الأوسط، بما يضمن تقوقعها نحو الداخل، لأنّ استمرارها ضمن السياسة الحالية، دون العودة إلى الوراء، ولا العودة للمفاوضات، رُبما سيعجل من حدوث انهيار داخلي سريع، يتبعه انهيار نظام الحكم القائم.

كما أشار المجتمعون إلى أنّ المحادثات الأمريكية مع كوريا الشمالية، ستنعكس على طبيعة التعامل الإيراني. وفي ظل الترجيح بأنّ كوريا ستتخلص من سلاحها، فإنّ إيران ستضطر لتحذو حذوها، حرصًا منها على عدم وضع نفسها أمام المزيد من التحديات التي ستزيد من إرهاقها. 

ورجح المجتمعون اندلاع موجة غضب حقيقية في الداخل الإيراني ضد سياسات النظام، وذلك بسبب الواقع الاقتصادي، وتراجعه المستمر في ظل انتشار البطالة، وشعور شريحة واسعة بأنّ السياسات الخارجية لإيران، ليست ذات صلة بتحقيق الطموح الإيراني، وبأنّ الكثير من الأموال تم تبذيرها بدل استغلالها في البناء الداخلي.

أخيرًا، ترى "إسرائيل" أنّ اقتراب إيران من حدودها، وتوسعها في ساحات مختلفة، سيُشكل خطرًا عليها، ليس من منطلق احتمال حدوث مواجهة عسكرية، لكن الأهم من ذلك، هو أنّ وجود دولة قوية يتزايد تأثيرها في الشرق، قد يؤدي إلى تهديد التفوّق الإسرائيلي.

ولكن في المقابل، استطاعت "إسرائيل" أن تتخلص من هذا العبء من خلال العمل في اتجاهين، الضغط على الولايات المتحدة لإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، والضغط على روسيا للحصول على مساحة واسعة من العمل على الساحة السورية؛ للحد من النفوذ الإيراني.

المراجع:

أفرايم ياعر وتمار هيرمان. (2 يوليو 2018). مداد هشلوم لخوديش يوني 2018 ( قياس السلام لشهر حزيران 2018 ). تم الاسترداد من المركز الإسرائيلي للديمقراطية: http://www.peaceindex.org/indexMonth.aspx?num=333

المركز الإسرائيلي للديمقراطية. (نيسان 2018). أودوت همركاز هيسرائيلي بديمقراطية ( المركز الإسرائيلي للديمقراطية، من نحن ). المركز الإسرائيلي للديمقراطية.

المركز المقدسي. (11 تموز 2018). هام إيران بديرخ لكريسا؟ ( هل إيران في طريقها للانهيار؟ ). تم الاسترداد من المركز المقدسي لدراسة الجمهور والدولة: http://jcpa.org.il/article/10063/

جرشون هكوهين. (5 تموز 2018). مجبلوتيها شل عليونوت تكنولوجيت ( محدودية التفوق التكنولوجي). تم الاسترداد من معهد دراسات الأمن القومي: https://besacenter.org/he/perspective-papers-he/%D7%A2%D7%9C%D7%99%D7%95%D7%A0%D7%95%D7%AA-%D7%98%D7%9B%D7%A0%D7%95%D7%9C%D7%95%D7%92%D7%99%D7%AA/

جرشون هكوهين. (19 حزيران 2018). بترون شلوش همدينوت ( حل الثلاث دول ). تم الاسترداد من مركز بيجن/ سادات للدراسات: https://besacenter.org/he/perspective-papers-he/%D7%A4%D7%AA%D7%A8%D7%95%D7%9F-%D7%A9%D7%9C%D7%95%D7%A9-%D7%9E%D7%93%D7%99%D7%A0%D7%95%D7%AA/

معهد دراسات الأمن القومي. (25 حزيران 2018). هكراب عل هتودعا: عزا كمكريه بوحين ( الحرب على الوعي: غزة كنموذج ). تم الاسترداد من معهد دراسات الأمن القومي: http://www.inss.org.il/he/event/the-cognitive-campaign-gaza-as-a-case-study/

موشيه راينفلد. (22 كانون ثاني 2008). مخون يسرائيلي بين ه10 هموبيلوت بعولام ( مركز بحث إسرائيلي في الأماكن العشر الأولى في العالم ). تم الاسترداد من نيوز ون: http://www.news1.co.il/Archive/001-D-152268-00.html

 

[1]   معهد مستقل غير حزبي وغير حكومي، تأسس عام 1991، ويقدم أبحاثا في مجالات الأحزاب، والديمقراطية، والأمن، والمجتمع. ومن أبرز إصداراته السنوية: قياس الديمقراطية في "إسرائيل". ويتبع للمعهد 5 مراكز أبحاث مستقلة، ويرأسه يوحنن فلسنر.

[2]   يُعتبر أبرز مراكز الأبحاث في "إسرائيل"، ويهتم بالقضايا الأمنية والسياسية تحديدا. تأسس عام 2006، وهو يستقطب أبرز الباحثين محليا وعالميا، ويُعتبر من المراكز الأبرز، ليس على الساحة المحلية فحسب، بل أيضا على الساحة العالمية، حيث تم تصنيفه عام 2008، واحدا من أبرز عشرة مراكز في العالم، يتبع المعهد لجامعة تل أبيب، لكنه يتمتع باستقلالية مالية وإدارية. ويهتم بالقضايا ذات الصلة بالأمن القومي الإسرائيلي، ويقدم خدماته عبر العديد من الدراسات والمقالات والتقديرات الاستراتيجية، ويعقد مؤتمرا سنويا يلخص فيه الأوضاع الأمنية الاستراتيجية لإسرائيل. ويشارك في المؤتمر كبار رجالات الدولة، كرئيس الدولة ورئيس الحكومة، والعديد من الشخصيات السياسية العالمية. كما يقدم المركز سنويا لرئيس الدولة تقديرا استراتيجيا للقضايا الأمنية التي تمس "إسرائيل"، يرأس المركز اللواء السابق عاموس يدلين.

[3]  سمي المركز  بهذا الاسم نسبة إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق مناحم بيجن، ورئيس مصر الراحل أنور السادات، وذلك تيمنا بما حققاه من سلام بين البلدين عام 1978. لا يتبع المركز لأي جهة سياسية، وهدفه دعم عملية السلام في الشرق الأوسط، من خلال أبحاث في قضايا الأمن القومي في الشرق الأوسط. يعمل المركز إلى جانب قسم العلوم السياسية في جامعة بار إيلان، حيث يقدم إلى جانبها خدماتٍ تعليمية. يرأس المركز البروفيسور أفرايم كارش.

 [4] تأسس المركز عام 1976، ويهتم بتقديم دراسات استراتيجية ذات صلة بالواقع الإسرائيلي العام، وانعكاسات ما يحدث في الساحة الإقليمية على "إسرائيل"، ويرأس المركز الدكتور دوري جولد.

 

شارك الموضوع اذا اعجبك