المشهد الإسرائيلي : إبريل ومايو 2019

     المشهد الإسرائيلي: إبريل ومايو 2019

إعداد: معتصم سمارة

شكل فشل نتنياهو في تشكيل الحكومة الجديدة بعد الانتخابات صدمة كبيرةً لأنصار حزبه "الليكود" بالذات، ولأنصار ومؤيدي معسكر اليمين بشكل عام، وأصبح افغدور ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا" الشخصية الأكثر كرها بين أنصار اليمين؛ لأنه المتهم الأساسي بإفساد فرحة اليمين بالفوز بالانتخابات ومواصلة الحكم للسنة الحادية عشرة على التوالي. فقد سيطر المشهد الانتخابي على مسرح الأحداث في دولة الكيان طوال الأشهر الماضية، ولم يتوقع أشد المتشائمين أن يتم الذهاب مرة ثانية إلى صندوق الانتخابات بعد أن حصل معسكر اليمين بزعامة نتنياهو على 65 مقعداً من أصل 120، وهي سابقة في تاريخ دولة الكيان، حيث إن هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها إعادة الانتخابات بسبب الفشل في مقدرة أي من الأحزاب المتنافسة على تشكيل الحكومة.

ولكي نفهم سياق الأحداث لا بد من العودة إلى الوراء قليلاً، حيث إن حكومة نتنياهو السابقة سقطت وتم الذهاب إلى الانتخابات بسبب انسحاب حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة ليبرمان من حكومة نتنياهو اليمينية السابقة، والتي تحولت إثر هذا الانسحاب إلى حكومة تسيير أعمال لحين موعد الانتخابات[1]، وقد انسحب ليبرمان من الحكومة بعد الخلاف على صيغة قانون التجنيد الذي يعفي المتدينين "الحريديم" من التجنيد الإجباري، إضافة إلى احتجاجه على عدم وجود رؤية واضحة لدى الحكومة في التعامل مع حماس في قطاع غزة، ومنذ ذلك الحين دبت حمى التنافس الانتخابي بين جميع الأحزاب السياسية الفاعلة في الساحة الصهيونية، وقد شهدت المعركة الانتخابية تنافساً كبيراً بين حزب الليكود بزعامة نتنياهو من ناحية، وبين حزب "أزرق أبيض" بزعامة بيني غانتس قائد أركان الجيش السابق ويائير لبيد زعيم حزب "يوجد مستقبل" وزير المالية السابق.

غياب الخطاب السياسي عن أجندة الأحزاب المتنافسة

اللافت في الأمر أن الخلافات الأساسية بين المعسكرين معسكر اليمين واليمين المتطرف بزعامة نتنياهو ومعسكر الوسط واليسار بزعامة غانتس لم تكن كبيرة، فالطرفان لم يقدما للناخب الصهيوني برامج حقيقية خاصة في المجال السياسي والعلاقات الخارجية، بل كان هناك شبه توافق لدى الحزبين على معظم القضايا الأساسية المطروحة على المستوى السياسي والإعلامي، مثل الموقف من القدس الموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل، وضم الجولان السوري المحتل، إضافة إلى ضم الكتل الاستيطانية الكبرى في الضفة الغربية ومسألة الحدود والأمن، بينما برزت القضايا الداخلية إلى الواجهة خاصة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي إلى جانب قضايا الفساد المتعلقة بنتنياهو شخصياً، في الواقع فإن المعركة الانتخابية تركزت حول جوهر النظام الداخلي في دولة الكيان ومدى ديمقراطيته، وحول قضايا الدين والدولة وأثرها في الشخصية الجماعية للشعب اليهودي، كذلك برز الصراع حول دور المحكمة العليا ومدى صلاحياتها في حماية الديمقراطية من تغول الأغلبية اليمينية في العقد الأخير، إلى جانب محاولة أحزاب اليسار والوسط إبراز قضايا الفساد المتعلقة بنتنياهو وجعلها قضية مركزية[2]، وقد ذهب الناخب الإسرائيلي إلى صندوق الانتخابات في التاسع من نيسان واستطلاعات الرأي تمنح تقدماً طفيفاً لحزب أزرق أبيض على حزب الليكود، لكنها كانت تعطي معسكر اليمين أغلبية واضحة تمكنه من تشكيل الحكومة إذا ما أراد بكل سهولة، وبالفعل خرجت نتائج الانتخابات لتمنح كل من الحزبين الكبيرين 35 مقعداً لكل منهما لكنها منحت تجمع أحزاب اليمين 65 مقعداً ما يعني استحالة أن يستطيع بيني غانتس أن يشكل الحكومة، وبالفعل فقد أعلن زعماء أحزاب اليمين كافة، بما فيهم أفيغدور ليبرمان، انهم سيوصون ببيبي نتنياهو رئيساً للحكومة المقبلة، الأمر الذي جعل كل المتابعين يعتبرون عودة حكومة اليمين واليمين المتطرف مسألة وقت ليس أكثر[3].

       ليبرمان يفسد أفراح اليمين

من جهته، ورغم توصيته أن يكون نتنياهو رئيساً للحكومة، فقد أعلن ليبرمان أنه لن يتنازل عن ثلاث قضايا أساسية كشرط لدخوله الحكومة وهي: صياغة قانون تجنيد إجباري عادل ومنصف للجميع، وضع رؤية واضحة لسياسة التعامل مع قطاع غزة، وأخيراً الحصول على وزارة الاستيعاب والهجرة[4]، وبالفعل بدأ نتنياهو مشاوراته لتشكيل الحكومة واستمر مدة خمسين يوماً دون أن يستطيع كسر الهوة القائمة بين مطالب ليبرمان العلماني والأحزاب الحريدية المتدينة، التي حازت على 16 مقعداً، في موضوع التجنيد الإجباري لأبناء وأتباع هذه الأحزاب، ليقرر نتنياهو بعد التشاور مع زعماء أحزاب اليمن، حل الكنيست والذهاب مرة أخرى إلى صندوق الانتخابات، وقد حاول نتنياهو في الساعات الأخيرة استمالة حزب العمل لحكومته، عرض عليهم 4 حقائب وزارية بما فيها وزارة سيادية إلا أن غالبية الأعضاء رفضوا ذلك، وقد أدى ذلك لاحقا إلى استقالة رئيس الحزب افي جباي وتركه للحياة السياسية.[5]

اللافت في الأمر ان ليبرمان حاز على خمسة مقاعد فقط ما يعني أن تجمع اليمين كان يمتلك 60 مقعداً، وفي الحقيقة  كان نتنياهو يحتاج إلى مقعد واحد إضافي فقط، ليحصل على نسبة 51% المطلوبة لتشكيل الحكومة.

نتنياهو الخاسر الأكبر مما جرى

 لقد أدّت إعادة الانتخابات إلى عرقلة خطط نتنياهو وإعاقتها، وقد يؤدي ذلك إلى انتهاء مسيرته السياسيه أو دخوله السجن، فهو كان سيسعى إلى سن قانون يمنع محاكمته طالما بقي في الحكم، وقد بات الأمر الآن مفتوحاً على كل الاحتمالات، وبالرغم من وجود فترة ثلاثة أشهر قبل الذهاب ثانية إلى صندوق الانتخابات، إلا أن حظوظ ليبرمان في زيادة حصته من المقاعد باتت كبيرة كما أن الفرصة سانحة أمام معسكر الوسط واليسار لإعادة ترتيب أوراقه، مايعني أن خيارات نتنياهو قد تكون أصعب، وهذا قد يبقيه تحت سيف مطالب ليبرمان.

حتى يتمكن من تشكيل حكومة، يحتاج نتنياهو إلى فوز معسكره اليميني المتطرف في انتخابات الكنيست على الأقل، وذلك من دون احتساب مقاعد حزب ليبرمان بأغلبية 61 عضواً. فإذا ما حقق ذلك، فسيكون بإمكانه تشكيل حكومة ائتلافية والشروع فورا في سن قوانين تحد من صلاحيات المحكمة العليا في التدخل في قرارات الكنيست، إضافة إلى قانون يمنع  تقديمه للمحاكمة طالما بقي رئيسا للوزراء.

السيناريوهات المتوقعة

حتى اللحظه يبدو المشهد معقدا جدا بالنسبة لنتنياهو، فاحتمالية أن يزيد ليبرمان من حصته في مقاعد البرلمان القادم واردة جدا، وهذا غالبا سيكون على حساب معسكر اليمين ما يعني العودة إلى نفس المربع، أما إذا استطاع نتنياهو أن يوحّد قوى اليمين المتطرف في قائمة موحدة، إضافة إلى القرار الذي اتخذه حزب الليكود بالتوحد مع حزب "كلنا" بزعامة موشي كحلون وزير المالية، وبالتالي تعزيز فرصة المعسكر اليميني بالحصول على 61 مقعداً دون ليبرمان، عندها سيكون نتنياهو الكاسب الأكبر بحصوله على تحالف مستقر لأربع سنوات قادمة . 

في الجهه المقابلة يبدو معسكر الوسط واليسار في سباق مع الزمن لتوحيد صفوفه من ناحية، واستمالة ليبرمان للبقاء مصرا على مطلب تجنيد الحريديم من ناحية أخرى، وبالتالي العمل على أن لا يحصل معسكر اليمين على 61 المطلوبة.

وقبل ساعات من إعداد هذا التقرير أعلن ايهود براك زعيم حزب العمل السابق عن عودته للحياة السياسية عبر حزب جديد، وهذا بالتأكيد سيأخذ أصواتا من حزب العمل وحزب أزرق أبيض، وهو بالتأكيد ما يريده نتنياهو، فاحتمال انضمام باراك لحكومته بات أسهل من انضمام ليبرمان[6].

مع بقاء قرابة ثلاثة أشهر لموعد الانتخابات، من السابق لأوانه التنبؤ بالنتائج، ولكن من المؤكد فوز معسكر اليمين على الأقل بالغالبية، وذلك لأسباب عدة أهمها أن قطاعات كامله باتت تصوت لليمين منذ زمن، مثل الحريديم والروس واليهود الشرقيين إضافة طبعا للمستوطنين، مع العلم أن نسبة التصويت آخذة بالازدياد عند هذه القطاعات[7]، وفي المقابل نسب تصويت آخذة في التناقص عند العرب ومعسكر اليسار.


[1]  معتصم سمارة(29\4\2019)قراءة في المشهد الإسرائيلي،تم الاسترداد من

[2]  شوكي فريدمان(1\5\2019)هفسد همحنيه هليبرالي يدوع مروش(خسارة المعسكر الليبرالي معروف مسبقا،تم الاسترداد من

 https://bit.ly/2FC5nB1

[3]  المركز الإسرائيلي للديمقراطية(شهر5\2019)هبحيروت ابريل 2019(انتخابات الكنيست 2019-ابريل)،تم الاسترداد من

 https://bit.ly/2VmZukx

[4]  تال شنايدر وداني زكن(13\5\2019)ليبرمان:شينوي مدينيوت كلفي حماس هي تناي كنيساه لكوأليتسياه(ليبرمان:تغيير السياسة تجاه حماس هي شرط الدخول للائتلاف) تم الاسترداد من

https://bit.ly/2xdSc4N

[5]  تالي كوهن(1\6\2019)يوشف روش هعفوداه افي جباي موده وعوزف(رئيس حزب العمل افي جباي يشكر ويغادر)، تم الاسترداد من https://bit.ly/2IT00Qb

 [6]  يوفال كرني وموران ازولاي(26\6\2019)حوزر لبوليتيكاه:اهود باراك يوديع هعرف عال هكماة مفلجاه(يعود للسياسة: ايهود باراك يعلن الليلة عن إقامة حزب جديد)، تم الاسترداد من

https://bit.ly/2FDAlc5

[7]  نير اتمور واساف شبيرا(17\5\2019)هشتتفوت ببحيروت2019:مجموت ونيتوح ممتسئيم (المشاركة في انتخابات 2019: تحليل معطيات)، تم الاسترداد من

https://bit.ly/2LhcNO3


 

المراجع

  1. معتصم سمارة(29\4\2019)قراءة في المشهد الإسرائيلي،تم الاسترداد من https://bit.ly/2LnVtXG
  2. شوكي فريدمان(1\5\2019)هفسد همحنيه هليبرالي يدوع مروش(خسارة المعسكر الليبرالي معروف مسبقا،تم الاسترداد من https://bit.ly/2FC5nB1
  3. المركز الإسرائيلي للديمقراطية(شهر5\2019)هبحيروت ابريل 2019(انتخابات الكنيست 2019-ابريل)،تم الاسترداد من https://bit.ly/2VmZukx
  4. تال شنايدر وداني زكن(13\5\2019)ليبرمان:شينوي مدينيوت كلفي حماس هي تناي كنيساه لكوأليتسياه(ليبرمان:تغيير السياسة تجاه حماس هي شرط الدخول للائتلاف) تم الاسترداد من https://bit.ly/2xdSc4N
  5. تالي كوهن(1\6\2019)يوشف روش هعفوداه افي جباي موده وعوزف(رئيس حزب العمل افي جباي يشكر ويغادر)، تم الاسترداد من https://bit.ly/2IT00Qb
  6. يوفال كرني وموران ازولاي(26\6\2019)حوزر لبوليتيكاه:اهود باراك يوديع هعرف عال هكماة مفلجاه(يعود للسياسة: ايهود باراك يعلن الليله عن إقامة حزب جديد)، تم الاسترداد من https://bit.ly/2FDAlc5
  7. نير اتمور واساف شبيرا(17\5\2019)هشتتفوت ببحيروت2019:مجموت ونيتوح ممتسئيم (المشاركة في انتخابات 2019: تحليل معطيات)، تم الاسترداد من https://bit.ly/2LhcNO3

 

 

 

 

 

شارك الموضوع اذا اعجبك