أثر الاستيطان وجدار الفصل العنصري على المواقع الأثرية والتاريخية في الضفة الغربية

home_politics_blog5
ملخص انتهاكات الاستيطان وجيش الاحتلال خلال شهر حزيران 2018
13 يوليو ,2018

أثر الاستيطان وجدار الفصل العنصري على المواقع الأثرية والتاريخية في الضفة الغربية

ملخص:

سعى هذا البحث إلى الكشف عن الآثار والنتائج التي ترتبت على المواقع الأثرية الفلسطينية، نتيجة ممارسات سلطات الاحتلال على الأرض، من خلال الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري.

وقد اعتمد البحث في الأساس على مجموعة من البحوث والدراسات والتقارير السابقة، التي تناولت موضوع المواقع الأثرية، وكيف تأثرت بالإجراءات التي فرضتها سلطات الاحتلال، من خلال ممارساتها على الأرض الفلسطينية. كما اعتمدت على بيانات مهمة من وزارة السياحة الفلسطينية، تتضمن إحصائياتٍ وأرقامًا رسمية بهذا الخصوص.

وقد خلص البحث إلى نتيجة مهمة، تتمثل في أن المواقع الأثرية الفلسطينية، كانت وما زالت، إحدى أبرز محددات العمل الاستيطاني، الذي تبين الأرقام والنماذج قيامه بضم أكبر قدر ممكن من المواقع الأثرية، عن طريق عمليات البناء والتوسع الاستيطاني. كما أن ذات الأمر ينطبق على عمليات بناء جدار الفصل العنصري، الذي تم تغيير مساره أكثر من مرة؛ ليُخضع عددًا من المواقع الأثرية لسيطرة الاحتلال بشكل كامل.

واتضح كذلك أن 53% من المواقع والمعالم الأثرية في الضفة الغربية، البالغ عددها 7 آلاف موقع، تخضع لسيطرة الاحتلال، كونها تقع في المناطق المصنفة (ج). كما أن 15% من مجمل المواقع الأثرية في الضفة الغربية، قد ضمها جدار الفصل العنصري.[1] إضافة إلى اختفاء حوالي 5 آلاف موقع أثري، يُعتقد أن الاحتلال دمرها، حيث كان عدد المواقع الأثرية نحو 12 ألف موقع، حسب إحصائيات الانتداب البريطاني، بينما أُعلن بعد الاحتلال الإسرائيلي أنها 7 آلاف فقط.

كما أن مدينة القدس حظيت باهتمام خاص من قبل الاحتلال في عمليات التنقيب، وتنفيذ الحفريات داخل المواقع الأثرية في المدينة، مثل الحفريات تحت المسجد الأقصى المبارك، والقصور الأموية، الواقعة في الجانب الشرقي من المسجد.

يندرج كل ذلك ضمن إطار واضح يهدف إلى السيطرة على الأرض وآثارها القديمة، إضافة إلى السيطرة على الرواية التاريخية، من خلال ما يبثه الاحتلال للعالم من صور ودراسات حول حقه في المواقع الأثرية، للدلالة على أنها جزءٌ من تاريخه، وذلك ضمن عملية تزوير واضحة للتاريخ، واحتكار الرواية التاريخية.


[1]  تتركز المواقع الأثرية التي ضمها الجدار في المناطق المصنفة (ب) و (ج)، وذلك حسب مسار الجدار العنصري.

مقدمة

كُتب الكثير عن الاستيطان وآثاره على الأراضي الفلسطينية، وعن الجدار وما التهمه من هذه الأراضي. لكن هذه الورقة البحثية تركز على جانب معين، هو المواقع الأثرية والتاريخية، وما وقع عليها من ضرر بالغ جرّاء عمليات الاستيطان وبناء جدار الفصل العنصري المتواصلة في الضفة الغربية.

تستهل هذه الورقة باستعراض الخلفية التاريخية لبداية الصراع على المواقع الأثرية في فلسطين عامة، والضفة الغربية بشكل خاص، بما في ذلك الإحصائيات المتعلقة بالمواقع الأثرية في الضفة، وتحديدًا تلك المرتبطة بالمشروع الاستيطاني، وجدار الفصل العنصري، وعمليات التنقيب المستمرة. ثم تستعرض الورقة واقع الأماكن الأثرية في القدس، في ظل ما تتعرض له من استيطان وتهويد. كما تستعرض أهم المواقع الأثرية في الضفة الغربية، التي قام الاحتلال بالسيطرة عليها، لتحقيق أهداف المشروع الاستيطاني وجدار الفصل العنصري

عرّفت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، المواقع الأثرية والتاريخية بأنها تراث ثقافي عالمي. وقد قسّمتها حسب اتفاقية حماية التراث العالمي والطبيعي، التي أقرت في باريس في السادس عشر من تشرين ثاني/ نوفمبر عام 1972، إلى ثلاثة أقسام، وهي: الآثار، وتطلق على النقوش والكهوف والنحت والتصوير على المباني. والمجمعات، وتطلق على المباني المنفصلة أو المتصلة، التي تتميز بقيمة تاريخية وفنية. والمواقع، وتطلق على أعمال الإنسان، أو الأعمال المشتركة بين الإنسان والطبيعة، التي لها قيمة استثنائية من وجهة النظر التاريخية والجمالية (اليونسكو، 1972).

السيطرة على المواقع الأثرية: خلفية تاريخية

سعى الاحتلال مبكرًا للدخول إلى حقل الآثار، لإيجاد أي دليل يثبت أحقيته بأرض فلسطين. فقد أُسست الحركة الصهيونية "جمعية أبحاث أرض إسرائيل" عام 1913، للبدء بإجراء أبحاث حول الآثار، ومحاولة ربط الموضوع بالتوراة (الجزيرة، 2009) وقد نفذت الجمعية العديد من أعمال الحفر والتنقيب على المواقع الأثرية، ولعل أبرزها التنقيب في مواقع عين جدي والبحر الميت وحائط البراق. وتعقد الجمعية مؤتمرًا كل خمس سنوات حول "الآثار اليهودية" في فلسطين، وذلك للترويج للرواية الإسرائيلية بوجود مواقع أثرية يهودية في فلسطين (مدار، 2018).

بعد 4 أيام من احتلال مدينة القدس عام 1967، قام الاحتلال بالسيطرة على المتحف الفلسطيني في المدينة، وتحويله لدائرة الآثار الإسرائيلية، كما شرع بهدم حارة المغاربة التي شيدت بالعهد الأيوبي (وفا، 2011). ولعل السيطرة على المتحف الفلسطيني تعكس إدراك الاحتلال لأهمية التفوق في المعركة الثقافية والحضارية، فقد حول اسم المتحف الفلسطيني المتاخم لأسوار البلدة القديمة في القدس، إلى اسم متحف "روكفلر"، ويسيطر الاحتلال عليه اليوم بشكل كامل (عموري، 2015).

وفي عام 1986، أُسِّسَت جمعية "إلعاد" الاستيطانية، المختصة بأعمال الحفر والتنقيب عن المواقع الأثرية في مدينة القدس. تشرف الجمعية على 70 بؤرة استيطانية في بلدة سلوان جنوب المسجد الأقصى. ورغم أنها ليست جمعية حكومية، إلا أنها تعمل تحت غطاء رسمي، ويتجلى ذلك في أعمال الحفر في العديد من المواقع الأثرية المهمة، أبرزها القصور الأموية، والحفريات ببلدة سلوان، منها الحفريات التي يسمونها بـ "موقف جفعاتي" (الجزيرة، 2018).

وفي عام 2002، أصدر الاحتلال قائمة تضم 150 موقعًا أثريًا، منها 35 موقعا في الضفة الغربية، اعتبرتها مواقع ذات قيمة "قومية"، وضمن التراث اليهودي (طه، 2016).

وهناك عدد آخر من المؤسسات التي تشارك في عمليات التنقيب عن الآثار، منها دائرة الآثار الإسرائيلية التابعة للإدارة المدنية، وبعض الجامعات، كالجامعة العبرية، وجامعة حيفا، وجامعة تل أبيب، وجامعة بار إيلان في النقب.

صورة رقم (1): حفريات جمعية "إلعاد" الاستيطانية بموقف "جفعاتي" بسلوان جنوب المسجد الأقصى
 (موقع قدسكم،  2017).

إحصائيات الآثار في الضفة الغربية

بلغ عدد المواقع الأثرية في فلسطين حسب بيانات الانتداب البريطاني 35 ألف موقع (يحيى، 2008)، تتنوع بين مدن وقرى، وكهوف، ومعابد، ومساجد، وكنائس، وأبراج، وغيرها من أشكال المواقع التراثية والتاريخية. وقد ضمت الضفة الغربية حسب هذه البيانات، نحو 12 ألف موقع، أي ما يزيد عن ثلث عدد المواقع الأثرية. والجدول التالي يوضح توزيع المواقع الأثرية في الضفة الغربية وقطاع غزة حتى عام 1967. جدول رقم (1): توزيع المواقع الأثرية والمعالم الأثرية في الضفة والقطاع

المنطقة

عدد المواقع الأثرية

عدد المعالم الأثرية

العدد الإجمالي

بيت لحم

136

1228

1364

طولكرم

100

385

485

الخليل

357

1859

2216

جنين

212

537

749

أريحا

76

451

527

القدس

181

1386

1567

نابلس

266

1015

1281

قلقيلية

53

418

471

رام الله

347

1788

2135

سلفيت

86

662

748

طوباس

130

359

489

قطاع غزة

44

140

184

المجموع

1988

10228

12216

    (يحيى، 2008).[1]

وبعد احتلال عام 1967، انخفض عدد المواقع الأثرية في الضفة الغربية إلى 7 آلاف موقع، تتراوح بين خربة،[2] وتل، ودير،[3] بينما يبلغ عدد المباني التاريخية والأثرية، التي تندرج ضمن نطاق المواقع الأثرية،

 

[1]  المعالم الأثرية هي أجزاء قد تكون موجودة داخل المواقع الأثرية التي تعتبر الحلقة الأوسع.

[2]  الخربة، حسب معجم الرائد، تعني موضع الخراب أو البيوت المهدمة.

[3]  الدير، حسب المعجم الوسيط، هو دار الرهبان والراهبات.

 

نحو 55 ألفًا. يقع 53% من المواقع الأثرية في الضفة الغربية ضمن المناطق المصنفة (ج)، والتي تقع تحت إدارة وسيطرة الاحتلال، حيث تُمنع الطواقم التابعة لوزارة السياحة الفلسطينية، من ممارسة أي أعمال تنقيب، أو تجديد، أو حتى استكشاف للمواقع الأثرية (جرادات، 2017).

وما يفسر انخفاض عدد المواقع الأثرية في الضفة الغربية، من 12 ألفًا إلى 7 آلاف، هو تدمير عدد كبير من هذه المواقع خلال حرب عام 1967، واحتلال "إسرائيل" لكل الأرض الفلسطينية. ورغم غياب إحصائية دقيقة عن عدد المواقع المدمرة في ذلك الحين، إلا أنها تُقدر بنحو 5 آلاف موقع ومعلم أثري (يحيى، 2008).

تلازمت حركة الاستيطان في الضفة الغربية بشكل وثيق، مع معركة الآثار التي يخوضها الاحتلال مع الفلسطينيين، للسيطرة على الرواية التاريخية، وإخفاء الحق الفلسطيني في أرضه. وما يدل على ذلك هو إقامة المستوطنات في المناطق التي تحتوي على مواقع أثرية وتاريخية. فحسب وزارة السياحة الفلسطينية، يقع 450 موقعًا أثريًا داخل المستوطنات المبنية في الضفة الغربية، أو في مناطق امتدادها، الخاضعة بشكل كامل لنفوذ المستوطنين، والسيطرة العسكرية الإسرائيلية (جرادات، 2017).

إضافة إلى ذلك، ضم جدار الفصل العنصري 15% من نسبة المواقع الأثرية الإجمالية في الضفة، أي ما يزيد عن 1000 معلم أثري، وأخضعها بشكل كامل للاحتلال، وذلك في مخالفة واضحة للقوانين الدولية، علما أن هذه المواقع لا تقع جميعها بالضرورة في المناطق المصنفة (ج)، بل تتعداها إلى المناطق المصنفة (ب) أحيانًا، حسب مسار الجدار (جرادات، 2017).

وحسب سلطة الآثار الفلسطينية، بلغ عدد المواقع الأثرية التي ضمها الجدار، نحو 255 موقعًا أساسيًا، إضافة إلى أن مجموع المواقع والمعالم الأثرية، التي باتت خلف الجدار، بلغ حوالي 1000 موقع (يحيى، 2008). وقد قام الاحتلال بالعديد من الممارسات خلال عمليات بناء جدار الفصل العنصري، التي كان من شأنها تدمير العديد من المواقع الأثرية، أو ضمها. فقد قام في العديد من المناطق بتغيير مسار الجدار شرقًا، ليضم بعض المواقع، ولعل المثال الواضح على ذلك، هو تغيير مسار الجدار في بيت لحم، ليضم مسجد بلال، أو ما يسميه الاحتلال "قبة راحيل". إضافة إلى ذلك، قامت سلطة الآثار الإسرائيلية، بالعديد من عمليات الحفر والتنقيب خلال بناء الجدار، أدت إلى استخراج العديد من القطع الأثرية، ونقلها إلى دولة الاحتلال. كما عمدت قوات الاحتلال في بعض المناطق، إلى تغطية بعض المواقع الأثرية بالرمال، وبناء الجدار الفاصل فوقها، ومنها الكنيسة البيزنطية في بلدة أبو ديس، شرق مدينة القدس (يحيى، 2008).

بعد هذه الإجراءات الإسرائيلية بحق المواقع الأثرية، فإن ما بقي من مواقع مفتوحة للسياحة هو 30 موقعًا فقط، يسعى الاحتلال من خلالها لترويج روايته التاريخية (جرادات، 2017).

ولنشر الرواية الإسرائيلية على حساب المواقع الأثرية الفلسطينية، يقيم الاحتلال 12 حديقة عامة على أراضٍ تابعة للمواقع الأثرية في الضفة الغربية، ولعل الحديقة التي أقامها في قرية الولجة، والحديقتين في جبلي جرزيم وعيبال في نابلس، هما الحدائق الأبرز، إضافة إلى تلك الحدائق المقامة في القدس (ملحم، 2015).

ومن إجراءات الاحتلال الأخرى على هذا الصعيد، هو وجود عمليات سرقة كبيرة للقطع الأثرية الفلسطينية، خاصةً من المواقع التي تقع في المناطق المصنفة (ج)، حيث يتم سرقتها وتسريبها للسوق الإسرائيلية، إما عبر التنقيب غير القانوني الذي تمارسه سلطات الاحتلال، أو من خلال السماسرة الذين ينهبون هذه المواقع، ويبيعون القطع الأثرية للاحتلال. وقد بلغ عدد القطع الأثرية المهربة، حسب التقديرات الفلسطينية، نحو 3 ملايين قطعة (جرادات، 2017).

ومنذ عام 1967، قامت سلطة الآثار الإسرائيلية بالتنقيب على نحو 900 موقع أثري في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، بشكل غير قانوني ومخالف للاتفاقيات الموقعة. كما أن سلطة الآثار الإسرائيلية، أصدرت نحو 1500 رخصة للتنقيب في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. يُذكر أن المعطيات حول أعمال التنقيب التي نفذها الاحتلال، وطبيعة تحركاته في هذا الجانب، محاطة بالسرية التامة، ولا يُسمح للباحثين بالوصول إلى البيانات والمعطيات حول أعمال الحفريات والتنقيب في الضفة الغربية (جرادات، 2017. طه، 2016).

تشير البيانات أدناه، إلى أن حجم التنقيب على المواقع الأثرية، ازداد بشكل طردي مع ازدياد الحركة الاستيطانية منذ استكمال احتلال فلسطين عام 1967. فالجدول يرصد عدد أعمال التنقيب على المواقع الأثرية، في المناطق الواقعة تحت سيطرة الاحتلال بالضفة الغربية (مناطق (ج) والمستوطنات)، ومدينة القدس، وذلك ما بين 1968- 1998. ومن الجدير ذكره أن الأرقام والإحصائيات الحقيقية بخصوص الحفريات، ما تزال ضمن ملفات الاحتلال السرية التي لم يكشف عنها، وإنما هي أرقام تقريبية متوقعة، سواء عبر دراسات سابقة، أو تقديرات وزارة السياحة الفلسطينية (طه، 2016).

جدول رقم (2): أعداد الحفريات التي نفذتها سلطات الاحتلال في المواقع الأثرية بين الأعوام 1968-1998

السنوات

الضفة الغربية

القدس

1968-1972

72

52

1973-1977

96

58

1978-1982

126

51

1983-1987

96

26

1988-1992

100

50

1993-1998

171

90

 (طه، 2016)

ورغم عدم توفر أرقام واضحة حول عدد الحفريات التي نُفّذَت مع انطلاق الانتفاضة الثانية عام 2000، وحتى عام 2007، إلا أن الاحتلال استهدف العديد من المواقع الأثرية الشهيرة، خلال اجتياحه للضفة الغربية عام 2002، وأوقع بها الضرر خلال عمليته العسكرية، لعل أبرزها كنيسة المهد في بيت لحم، والبلدة القديمة في نابلس (طه، 2016).

بين عامي 2007 و2014، صادقت سلطات الاحتلال على 165 طلبًا لتنفيذ حفريات أثرية في الضفة الغربية، 72% منها تحت اسم حفريات إنقاذ، والباقي تحت اسم حفريات بحث ومسوحات لفحص وجود أي بقايا أثرية. تنوعت طلبات ما سمي بحفريات الإنقاذ ما بين مشاريع تطوير وتوسيع المستوطنات، وتطوير المواقع السياحية تحت سيطرة سلطات الاحتلال، وتحسين البنية التحتية، وبناء جدار الفصل، وأعمال التنقيب في البلدات والقرى الفلسطينية. تدل هذه المعطيات على سعي سلطات الاحتلال الحثيث، لربط العمل في المواقع الأثرية بالمستوطنات، سواء بناء مستوطنات جديدة، أو إجراء عمليات التوسعة فيها (شبيه، 2017).

واقع المواقع الأثرية في القدس في ظل الاستيطان والتهويد

تزامن المشروع الاستيطاني في القدس مع ملف المواقع الأثرية والتاريخية فيها، ولم يكتفِ الاحتلال بمجرد بسط سيطرته على كامل مدينة القدس، وإنما فرض قبضته على المدينة ليبدأ أعمال التنقيب مبكرًا، فشهدت القدس تزايد أعمال الحفريات بشكل كبير.

بدأت أعمال التنقيب في القدس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. فقد كانت بعثة بريطانية قد نفذت آنذاك نحو 20 حفرية في فلسطين، تركزت أهمها في مدينة القدس، وتحديدًا في المنطقة الواقعة بين المسجد الأقصى وبلدة سلوان. وقد حدثت عدة محاولات تنقيب عن الآثار من قبل بعثات أجنبية أخرى، كالبعثة الألمانية (عطا، 2016).

لكن عام 1967 كان بمثابة نقطة انطلاق جديدة لسلسلة واسعة ومكثفة من الحفريات وأعمال التنقيب من قبل الاحتلال، للعثور على أي دليل تاريخي يبني على أساسه رواية تثبت أحقيته في الأرض. وقد حفرت سلطات الاحتلال عددًا من الأنفاق، وصلت لأكثر من 14 نفقًا، يتركز معظمها في الجهة الجنوبية والغربية من المسجد الأقصى المبارك، أي أسفل حائط البراق والمنطقة المجاورة له، وتمتد حتى بلدة سلوان الواقعة جنوب المسجد. وفي الصورة أدناه خريطة توضح مسالك الأنفاق المحفورة في القدس، وأسمائها.

 

 

صورة رقم (2): خريطة الأنفاق بين سلوان والمسجد الأقصى بالقدس
 (الجزيرة نت، 2016).

لا يقتصر الضرر الناتج عن سيطرة الاحتلال على المواقع الأثرية في مدينة القدس على الحفريات فقط، وإنما يمتد إلى أكثر من ذلك. فالكثير من المواقع الأثرية في القدس تمت مصادرتها استنادًا إلى قانون أملاك الغائبين، الذي أصدره الاحتلال لمصادرة أراضي الفلسطينيين الذين هُجّروا من أراضيهم. ولعل أبرز المعالم الأثرية التي تمت مصادرتها، وهدم أجزاء كبيرة منها، هي مقبرة مأمن الله التاريخية. فقد تكررت الاعتداءات عليها بهدف طمس معالمها، وصولًا إلى إزالتها بشكل كلي. وهذه المقبرة إسلامية، تعود للعصور الإسلامية الأولى، ويقدر عمرها بنحو 1300 عام (حماد، 2013). وقد سيطر عليها الاحتلال بعد عام 1948، وأقام على جزءٍ منها ما يسمى بـ "حديقة الاستقلال"، وقام بتحويل جزءٍ آخر منها إلى مكب لأنقاض الأبنية، كما بنى على أرضها موقفًا كبيرًا للسيارات. وآخر المشاريع التي يشرع الاحتلال بتنفيذها على أرض المقبرة، هو بناء متحف ينوي تسميته بمتحف "التسامح". ومن مساحة المقبرة البالغة 200 دونمًا، قدرت المساحة المتبقية بنحو 19 دونمًا فقط، تجري فيها عمليات تجريف للقبور، وإخضاعها للسيطرة الإسرائيلية الكاملة (حماد، 2013).

وما بين 11 إلى 13 من حزيران عام 1967، أي فور انتهاء الحرب واستكمال احتلال القدس والضفة الغربية، قام الاحتلال بهدم حارة المغاربة في البلدة القديمة، التي كانت أقرب الحارات إلى المسجد الأقصى المبارك، وكانت تضم 135 منزلًا أثريًا قديمًا بُنيت في العهد الأيوبي، وقد هدمها الاحتلال لتوسيع الساحة المحيطة بحائط البراق (وفا، 2011). كما نتج عن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي، مصادرة الاحتلال لـ 700 مبنى في حارة الشرف بالبلدة القديمة من القدس (صالح، 2011).

وهناك موقع أثري آخر راح ضحية عملية التهويد والاستيطان في مدينة القدس، وهو القصور الأموية التي بنيت في بداية العصر الأموي، وتقع في الجزء الجنوبي المحاذي للمسجد الأقصى. سيطر الاحتلال، وما زال، على الموقع بشكل كامل، وأجرى فيه حفريات باستمرار، وأنشأ العديد من الأنفاق في المنطقة، في محاولة لاكتشاف أي شيء يربطه بالهيكل المزعوم، إلا أن ما تكشفه الحفريات هي معالم القصور الأموية، التي اكتُشف منها 6 قصور. تتعرض هذه القصور اليوم لمحاولات طمس معالمها الإسلامية، وذلك عن طريق بناء جسور وإقامة متنزه توراتي، إضافة إلى وجود نفق يصل إلى حي البستان في سلوان جنوب المسجد الأقصى. كما يقوم الاحتلال باستمرار، بتسيير قوافل السياح والمستوطنين إلى المنطقة، في إطار حملته لنشر روايته التاريخية، والسعي لربطها بالهيكل المزعوم (عيسى، 2017).

على صعيد التهويد، تم ذلك بحق الكثير من المعالم الأثرية في القدس، مثل قلعة القدس العثمانية، التي تم تحويلها إلى مركز للشرطة الإسرائيلية منذ عام 1975، ثم إلى متحف أُطلق عيه "متحف قلعة داوود". كذلك سور القدس، الذي يقوم الاحتلال بوضع حجارة عليه، تحمل رموزًا إسرائيلية، وذلك للادعاء بيهودية الآثار في مدينة القدس (الجزيرة، ذاكرة القدس.. هدم حارة المغاربة، 2016).

مواقع أثرية في الضفة الغربية بين الجدار والاستيطان

سعى الاحتلال عبر مشروعه الاستيطاني لربط مستوطناته بالمواقع الأثرية، سواء بربطها المباشر، أو على الأقل بتحريف أسمائها. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك، هو إطلاق اسم "شيلو" على المستوطنة المقامة على أراضي بيت سيلون، أو خربة سيلون، جنوب مدينة نابلس. ومستوطنة "كيدوميم" المقامة قرب قرية كفر قدوم الفلسطينية إلى الغرب من مدينة نابلس. ومستوطنة "معاليه أدوميم" شرق القدس، والمقامة على أراضي خربة المرصرص، التي هي دير بيزنطي قديم (جرادات، 2017).

فيما يلي عدد من المواقع الأثرية البارزة، التي يسيطر عليها الاحتلال، ويسعى من خلالها لفرض روايته التاريخية، في ظل منع وزارة السياحة الفلسطينية من التدخل فيها.

  • خربة سيلون: وهي أراضٍ فلسطينية تابعة لبلدة قريوت جنوب مدينة نابلس، وتحتوي على آثارٍ قديمة تعود إلى العهد البرونزي، وكنائس بيزنطية تعود إلى الفترة الممتدة بين القرن السادس والعاشر الميلاديين، إضافة إلى العديد من المباني التي تم استخدامها في العهد العباسي والمملوكي. وقد ضم الاحتلال خربة سيلون إلى مستوطنة "شيلو"، ومنع الفلسطينيين من دخول المنطقة، بحجة عدم حصولهم على التصاريح اللازمة، وحوّل المكان إلى منطقة سياحية، تتضمن مركزًا للأبحاث، ومتحفًا لعرض الرواية الإسرائيلية (شبيه، تل شيلو (خربة سيلون) – المسكن الضائع في الصراع السياسي على السامرة، 2014).

صورة رقم (3): متحف إسرائيلي في خربة سيلون، أو مستوطنة "شيلو"، وأعمال حفريات في المنطقة
( poica.org).

 

  • خربة المرصرص: وهو موقع أثري يقع شرق مدينة القدس، وهو عبارة عن مجموعة من الأديرة التي تعود إلى العهد البيزنطي. وقد أقيمت على هذا الموقع الأثري مستوطنة معاليه أدوميم، كما نقلت سلطات الاحتلال العديد من المعالم الأثرية الموجودة داخل الموقع، مثل الأرضية الفسيفسائية، إلى أماكن أخرى. ويُحرم الفلسطينيون من الوصول إلى هذا الموقع الأثري، بحجة وجوده داخل المستوطنة، تحت السيطرة الأمنية التامة لسلطات الاحتلال (العيسة، 2011).
  • مسجد بلال أو "قبة راحيل": وهو مَقام يقع عند المدخل الشمالي لمدينة بيت لحم، وقد بني في العهد المملوكي، وسيطر عليه الاحتلال عام 1967. إلا أنه ومع بناء جدار الفصل العنصري، قام الاحتلال بضم المسجد إلى الجانب الذي يقع تحت سيطرته بشكل كامل، وجعله خلف الجدار، ومنع الفلسطينيين من الوصول إليه. ثم أصدرت حكومة الاحتلال عام 2010، قرارًا يقضي بأن مسجد بلال، أو قبة راحيل، هو جزء من التراث اليهودي (الجزيرة، قبة راحيل، 2018).

صورة رقم (4): مسجد بلال \ قبة راحيل (موقع إذاعة صوت الأقصى).

ثم أصدرت "اليونسكو" قرارا يقضي باعتبار موقع مسجد بلال بن رباح وقبر راحيل، بأنهما "جزء لا يتجزأ من فلسطين"، وذلك حسب القرارات التي اعتمدها المجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو"، في جلسته رقم (200)، في باريس بتاريخ 18 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 2016. كما أدان القرار ممارسات الاحتلال في الموقع، وطالبه بإعادة الوضع الطبيعي حول الموقع إلى ما كان عليه، ورفْع حظر وصول المسلمين والمسيحيين إليه (اليونسكو، القرارات التي اعتمدها المجلس التنفيذي في دورته المائتين، 2016).

  • قلعة الفريديس، أو قلعة هيروديون: تقع شرق مدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية، وفي المناطق المصنفة (ج)، ويعود بناؤها إلى القرن الأول الميلادي على يد الإمبراطور الروماني هيرودوس الكبير. تحتوي القلعة، أو القصر، على غرف قديمة ومدرجات، إضافة إلى سلالم وأنفاق. ومنذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، سيطر الاحتلال على القلعة بشكل كامل، وبات يديرها ويجري أعمال الترميم المستمرة داخلها حتى اليوم. كما يسعى الاحتلال لفرض روايته عبر اللوحات الإرشادية التي يضعها في المكان، وإدعائه بوجود القلعة بذات الفترة التي كان فيها الهيكل الأول حسب زعمه. يُذكر أن الموقع هو ضمن القائمة التي تعدها وزارة السياحة الفلسطينية لاعتمادها من قبل اليونسكو (سمرة، 2014).
  • مخطوطات قمران: عُثر عليها عام 1947 داخل كهوف في وادي قمران شمال البحر الميت، أي أنها ضمن منطقة الأغوار في الضفة الغربية، وضمن المناطق المصنفة (ج). بلغ عدد هذه المخطوطات نحو 850 مخطوطة قديمة للكتاب المقدس، وكتابات قديمة أخرى. وبالطبع تسيطر سلطات الاحتلال على هذه المخطوطات القديمة. وقد أدرجتها السلطة الفلسطينية ضمن القائمة التي قدمت لليونسكو، للاعتراف بها على أنها فلسطينية، على غرار العديد من المواقع الأثرية سابقًا (i24news، 2017).
  • قرية زبوبة: تقع شمال مدينة جنين، وتضم أراضي القرية مواقع ومعالم أثرية، كبقايا الأبنية التاريخية، وأساسات حجرية قديمة، وأواني فخارية. وقد تعرضت القرية للعديد من عمليات التنقيب على يد قوات الاحتلال، ومصادرة الأراضي للسيطرة على هذه المنطقة. إضافة إلى أن الاحتلال قام بتعديل مسار الجدار العنصري عام 2002، لضم موقع كانت تنفذ فيه حفريات وأعمال تنقيب (يحيى، 2008).
  • قريتا شويكة وقفين: ما حدث في قريتي شويكة وقفين شمال مدينة طولكرم، هو ذات الموقف، إذ إن الاحتلال عزل العديد من منازل القرى والأراضي الزراعية فيها، عبر بناء جدار الفصل العنصري، علما أن هذه المنطقة تتضمن موقعًا أثريًا فرعونيًا. وقد رفض الاحتلال الدعوى القضائية التي رفعها أهالي القريتين بخصوص هذا الموقع (يحيى، 2008).
  • قرية صفّا: تقع غرب مدينة رام الله. وقد صادر الاحتلال نحو 5 آلاف دونم من أراضي القرية، من أجل بناء الجدار العنصري. تشمل هذه الأراضي ستة مواقع أثرية، رومانية وبيزنطية وإسلامية، وهي: خربة عمّا، وخربة كريكور، وخربة كرسنا، وخربة الدالية، وخربة حورية، وخربة الفاعوش. ولعل أبرز ما ضمته هذه الخرب من معالم أثرية، معاصر زيتون وعنب، وأرضيات فسيفسائية لكنائس قديمة، وجدران لمبانٍ تاريخية (يحيى، 2008).
  • قرية الجيب: تقع شمال مدينة القدس، وقد نفذ الاحتلال حفريات تنقيب على موقع أثري في خربة تسمى خربة الشيخ غرب القرية، وتقع هذه الحفرية على مسار بناء الجدار، وقد كشفت هذه الحفريات، التي أشرف عليها فريق تنقيب عن الآثار تابع للإدارة المدنية، عن وجود حمّام يعود للفترة الرومانية ما بين 300- 400 للميلاد، إضافةً إلى معصرة زيتون من الفترة البيزنطية، أو الإسلامية (يحيى، 2008).

خلاصة

من الواضح أن هذه المواقع، تتوزع بين شمال الضفة الغربية ووسطها وجنوبها. كما أنها تعكس ثلاث حالات، تتمثل الأولى بمصادرة الأراضي من أجل السيطرة على الموقع الأثري، وضمه للمستوطنات، كما في حالة موقع بيت سيلون ومستوطنة شيلو. والثانية تتمثل ببناء المستوطنة في منطقة الموقع الأثري، ثم ضمه للمستوطنة بشكل كامل. والحالة الأخيرة تأتي من خلال بناء الجدار العنصري، الذي يضم الموقع الأثري ضمن السيطرة الإسرائيلية، كما هو الحال بشأن مسجد بلال، أو قبر راحيل. تلخص هذه النماذج حالة المواقع الأثرية الفلسطينية في الضفة الغربية، والمناطق المصنفة (ج)، وما تتعرض له من قرصنة بين الاستيطان والجدار.

 

المصادر والمراجع

 

  •  I24 new (2017). الفلسطينيون يطالبون بالاعتراف في مخطوطات البحر الميت كإرث فلسطيني. تم الاسترداد من: https://goo.gl/uxkmei

 

  •  العيسة، أ. (2011). معاليه ادوميم تعتقل خربة المرصرص. البيرة، فلسطين: مفوضية العلاقات الوطنية – حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح). تم استردادها من: http://www.fatehwatan.ps/page-15950-ar.html

 

  • الجزيرة نت. (2009). سرقة التاريخ. الدوحة، قطر. تم استرداده من: https://goo.gl/TRpjD9

 

  • الجزيرة نت. (2016). ذاكرة القدس. هدم حارة المغاربة. الدوحة، قطر. تم استرداده من: https://goo.gl/GQpm4j

 

  • موسوعة الجزيرة. (2018). جمعية "إلعاد".. رأس حربة الاستيطان والتهويد حول القدس. الدوحة، قطر.. تم استرداده من: https://goo.gl/nK4vBu

 

  • الجزيرة نت. (2018). قبة راحيل. الدوحة، قطر. تم استرداده من: https://goo.gl/xj8bE7

 

 

 

  • جرادات،م. (2017). مقابلة شخصية،البيرة، فلسطين.

 

  • حماد، ش. (2013). انتهاكات الاحتلال الإسرائيلي للمقدسات والمعالم العربية الإسلامية في القدس مقبرة "مأمن الله" نموذجا. رام الله، فلسطين. وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الفلسطينية.

 

 

  • عيسى،ح. (2017). القصور الأموية في القدس، شبكة فلسطين الإخبارية. تم الاسترداد من: http://pnn.ps/news/239155

 

 

  • عمق شبيه. (2014). تل شيلو (خربة سيلون) – المسكن الضائع في الصراع السياسي على السامرة. تم الاسترداد من: http://alt-arch.org/ar/tel-shiloh-ar

 

 

  • أبو سمرة، ق. (2014). قلعة الفريديس إرث روماني حرم منه الفلسطينيون. لندن، المملكة المتحدة. صحيفة العرب. تم الاسترداد من: http://www.alarabonline.org/?id=33782

 

  • صالح، م. (2011). صرخات القدس المكتومة. بيروت، لبنان. مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات. تم الاسترداد من: https://goo.gl/EBrydi

 

  • أبو عطا، م. (2016). الحفريات الإسرائيلية أسفل المسجد الأقصى. الدوحة، قطر. الجزيرة نت. تم الاسترداد من: https://goo.gl/WRWFjH

 

  • مركز مدار (2018). جمعية أبحاث أرض إسرائيل وآثارها. رام الله، فلسطين. تم الاسترداد من: https://goo.gl/Rm1wPb

 

 

  • وفا. (2011). حارة المغاربة في القدس. رام الله، فلسطين. مركز المعلومات الوطني – وفا. تم الاسترداد من: http://info.wafa.ps/atemplate.aspx?id=9592

 

  • يحيى، ع. (2008). آثار فلسطين بين النهب والإنقاذ: كيف يستبيح جدار الفصل، والنتقيب غير المشروع، وتجارة الآثار، التراث الفلسطيني. مجلة الدراسات الفلسطينية.

حمل الملف المرفق
شارك الموضوع اذا اعجبك